فهرس الكتاب

الصفحة 18 من 85

وقد ذكر الله حق اليقين في القرآن، في سورتين من أسماء القيامة الواقعة والحاقة، فقال في الواقعة: (فَلا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُوم وَإِنَّهُ لقَسَمٌ لوْ تَعْلمُونَ عَظِيمٌ) قسم عظيم يعلم قدره المتخصصون في النجوم، فإنهم يقولون إن ما نراه في السماء من نجوم، هي في حقيقتها مواقع للنجوم، أما النجوم فقد ذهبت في مساراتها وتحركت في مداراتها، فنظرا لعظم المسافات بيننا وبين هذه المخلوقات، فإننا لا نري النجوم أبدا، ولكننا نري مواقع مرت بها فحينما ينبثق الضوء بسرعته من النجم إلي أن يصل إلينا، يكون النجم قد تحرك من موقعه وذهب عن موضعه، ليس هذا وفقط، بل إن الضوء كما قال العلماء، ينحني في صفحة السماء، فحينما يصل إلينا منحنيا، يراه البصر موقعا وهميا، غير الموقع الحقيقي للنجم، ولذلك أقسم الله بالنجوم ليبين عجزنا عند علمنا، ويثبت صدق القرآن لنا فقال:

(إِنَّهُ لقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لا يَمَسُّهُ إِلا المُطَهَّرُونَ) قال قتادة: لا يمسه عند الله إلا المطهرون، أما في الدنيا فإنه يمسه المجوسي النجس والمنافق الرجس، (تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ العَالمِينَ - وليس هو كما يقولون إنه سحر مبين أو شعر متين أو كهانة تنزلت بها الشياطين، بل هو الحق الذي نزل من رب العالمين، ثم قال:(أَفَبِهَذَا الحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ فَلوْلا إِذَا بَلغَتْ الحُلقُومَ وَأَنْتُمْ حِينَئِذٍ تَنظُرُونَ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِليْهِ مِنْكُمْ وَلكِنْ لا تُبْصِرُون فَلوْلا إِنْ كُنتُمْ غَيْرَ مَدِينِينَ تَرْجِعُونَهَا إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ المُقَرَّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّةُ نَعِيمٍ وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ اليَمِين فَسَلامٌ لكَ مِنْ أَصْحَابِ اليَمِينِ وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ المُكَذِّبِينَ الضَّالينَ فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ وَتَصْليَةُ جَحِيمٍ إِنَّ هَذَا لهُوَ حَقُّ اليَقِينِ) وليس بعد حق اليقين إلا أن نسبح الله تسبيح الموقنين فقال: (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيم) الواقعة.

وعلى نفس المنهج في آيات الواقعة جاءت آيات سورة الحاقة، فقال تعالى: (فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُون وَمَا لا تُبْصِرُونَ إِنَّهُ لقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ وَمَا هُوَ بِقَوْل شَاعِرٍ قَليلا مَا تُؤْمِنُون وَلا بِقَوْل كَاهِنٍ قَليلا مَا تَذَكَّرُون تَنزِيلٌ مِنْ رَبِّ العَالمِينَ وَلوْ تَقَوَّل عَليْنَا بَعْضَ الأَقَاوِيل لأَخَذْنَا مِنْهُ بِاليَمِينِ ثُمَّ لقَطَعْنَا مِنْهُ الوَتِينَ فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ وَإِنَّهُ لتَذْكِرَةٌ للمُتَّقِينَ وَإِنَّا لنَعْلمُ أَنَّ مِنْكُمْ مُكَذِّبِينَ وَإِنَّهُ لحَسْرَةٌ على الكَافِرِين وَإِنَّهُ لحَقُّ اليَقِينِ فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ) الحاقة.

ولنتحدث الآن عن مدارك اليقين: ما هي الوسائل التي يدرك بها اليقين، كيف يتأكد اللإنسان أنه على يقين من أمره؟ هناك عدة أشياء يدرك بها اليقين:

أولها البديهيات أو الأوليات: وذلك كالحكم على أن البعرة تدل يقينا على البعير وأن الأثر يدل يقينا على المسير، ومن هنا كان المسلم على يقين بوجود الله من خلال إثبات وجود الخالق بدلالة المخلوقات، وقد ثبت ذلك بحكم الأوليات أو البديهيات، إن من أكبر المحرمات جريمة الزني، والحكم فيها لا بد أن يقوم على مفردات يقينية ولا يبني على أمور ظنية، وقد بين القرآن وسائل إدراك اليقين عند الحكم على المرتكبين لها، فمن ذلك البديهيات وارتباط العلل بالمعلولات، كما قالت مريم للملك عندما قال لها: (إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لأَهَبَ لكِ غُلامًا زَكِيًّا قَالتْ أَنَّي يَكُونُ لي غُلامٌ وَلمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ ? بزواج - وَلمْ أَكُنْ بَغِيًّا - بزنا ? لأن البديهيات تجعل العاقل يحكم حكما يقينيا بأن الولد لا يأتي إلا من طريق مشروع أو طريق ممنوع ? ولذلك أكد لها الملك أن ذلك واضح صحيح، وأن حالتها استثناء وأن الله يخلق ما يشاء - قَال كَذَلكِ قَال رَبُّكِ هُوَ على هَيِّنٌ وَلنَجْعَلهُ آيَةً للنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا ? من أجل ذلك أثبت لها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت