شرط لا إله إلا الله، فإذا أخبرك الله عن شيء فلن تدخل في الإسلام إلا بهذا اليقين، أن يصدق المسلم تصديقا كاملا، يمحو التكذيب من القلب محوا شاملا.
وكما قال عَبْد الله بْنَ رَوَاحَةَ:
وَفِينَا رَسُولُ الله يَتْلُو كِتَابَهُ: إِذَا انْشَقَّ مَعْرُوفٌ مِنَ الفَجْرِ سَاطِعُ
أَرَانَا الهُدَي بَعْدَ العَمَي فَقُلُوبُنَا: بِهِ مُوقِنَاتٌ أَنَّ مَا قَال وَاقِعُ
يَبِيتُ يُجَافِي جَنْبَهُ عَنْ فِرَاشِهِ: إِذَا اسْتَثْقَلتْ بِالمُشْرِكِينَ المَضَاجِعُ
وقد يطلق اليقين على الظن في بعض المواطن من القرآن، على اعتبار أن التصديق والتثبت يزداد شيئا فشيئا، ويقل التكذيب أيضا شيئا فشيئا حتى يصل التثبت إلي منتهاه، فيمتلأ القلب تصديقا فيكون يقينا، كما في قول الله تعالى: (كَلا إِذَا بَلغَتْ التَّرَاقِي وَقِيل مَنْ رَاقٍ وَظَنَّ أَنَّهُ الفِرَاقُ) (القيامة/28:26) .
ولذلك فإن اليقين يرد بمعني الموت على اعتبار أن التثبت منه كائن في جميع القلوب وإن تغافل الناس عنه، كقوله تعالى: (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حتى يَاتِيَكَ اليَقِينُ) (الحجر/99) ، فاليقين هنا هو الموت، وعن أم العلاء رضي الله عنها وهي امرأة من الأنصار أنها قالت في عثمان بن مظعون رضي الله عنه حين موته: (رَحْمَةُ اللهِ عَليْكَ أَبَا السَّائِبِ فَشَهَادَتِي عَليْكَ، لقَدْ أَكْرَمَكَ اللهُ، فَقَال النَّبِيُّ صَلي الله عَليْهِ وَسَلمَ: وَمَا يُدْرِيكِ أَنَّ اللهَ قَدْ أَكْرَمَهُ، فَقُلتُ: بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُول اللهِ فَمَنْ يُكْرِمُهُ اللهُ؟ فَقَال: أَمَّا هُوَ فَقَدْ جَاءَهُ اليَقِينُ، وَاللهِ إِنِّي لأَرْجُو لهُ الخَيْرَ، وَاللهِ مَا أَدْرِي وَأَنَا رَسُولُ اللهِ مَا يُفْعَلُ بِي، قَالتْ: فَوَاللهِ لا أُزَكِّي أَحَدًا بَعْدَهُ أَبَدًا.
فالمسلم لا يكون مسلما إلا باليقين ولا يخرج عن اليقين ولا ينزل إلي درجة الظن أو الشك أو الوهم، لأنه إن اتصف بشيء مما ينافي اليقين، انتفي شرط من شروط لا إله إلا الله، ولكن ربما يضعف نور اليقين في قلب المسلم، فيكون اليقين ضعيف الإضاءة لديه، ولذلك كان خوف النبي صلي الله عليه وسلم عليه فقال: (ما أخاف على أمتي إلا ضعف اليقين) ، فاليقين نور في القلب إذا سكن وتمكن أبصر المسلم حقائق الأمور بذلك النور.
ومن هنا كان تصنيف اليقين في القلب على ثلاث درجات متتالية، علم اليقين وعين اليقين وحق اليقين، فالأولي كعلمك بوجود العسل وعين اليقين كرؤيتك له، وحق اليقين كشربك منه:
أولها: فعلم اليقين: وقد ورد في قوله تعالى: (أَلهَاكُمْ التَّكَاثُر ? والتكاثر هو جمع متاع الدنيا - حتى زُرْتُمْ المَقَابِر - تنبيها على أن الزائر لابد أن ينتقل عن مزاره فهو تنبيه على الموت والبعث - كَلا سَوْفَ تَعْلمُونَ ثُمَّ كَلا سَوْفَ تَعْلمُونَ كَلا لوْ تَعْلمُونَ عِلمَ اليَقِينِ لتَرَوْنَ الجَحِيمَ) (التكاثر/ 6:5) فعلم اليقين هو العلم الذي يصل به صاحبه إلي حقائق الأمور بنفي الوهم والشك والظن، فلا يماري في صحتها ولا يرتاب في ثبوتها، كعلم اليقين بالجنة والنار، وتيقنه أن الجنة دار المتقين ومقر المؤمنين، وأن النار دار الكافرين ومقر المشركين وأن الرسل أخبروا بها عن ربهم، وأنهم بينوا للناس أمرهم، فهذه الدرجة تسمي علم اليقين.
إما الدرجة الثانية لليقين: فهي عين اليقين، وهي درجة الرؤية والمشاهدة كما قال تعالى: (ثُمَّ لتَرَوْنَهَا عَيْنَ اليَقِينِ) ، وبين هذه الدرجة والتي قبلها فرق ما بين العلم والمشاهدة، فاليقين للسمع وعين اليقين للبصر، فليْسَ الخَبَرُ كَالمُعَايَنَةِ،