اختلف علماء السلف - رحمهم الله - في الاسم: ما هو ؟ أهو المسمى أو غير المسمى ؟
وكثر الداخلون في الكلام لذلك ، وطال الأمد ، وخلف الخلف في ذلك
السلف فنُسي المبدأ ، وضل لذلك الأكثر عن القصد وترك المنهج جانبًا ، هذا على
اتفاقهم أن المسمى هو المقصود بالخطاب المطلوب علمه .
ثم وقع الاختلاف بعد ، أهو هو أم غيره ؟ بأي وجه من وجوه القصد قصد ؛ وقد
أشبعنا الكلام فيه في غير هذا الموضع بمبلغ الطاقة ، وأنه من السمو والعلاء ، وأن
أكثر أسماء المحدثين من السمة والعلامة ؛ لعلة الإعلام به ، والتمييز له [عن] غيره ،
إنه إنما يكون المسمى إذا كان مفهوم الاسم حقيقة المسمى .
ونحن الآن في هذه الدار في الغيبة عنه ، والسجن الذي حبسنا فيه عنه عز
جلاله ، وهذه الدار مؤسسة على الإيمان بالغيب: لما قضى به من المحنة والابتلاء ،
فأقام لنا - عز وجل - غيب حضوره بالإخبار عنه والإعلام به مقام المشاهدة ، والذكر مقام
المذكور. والاسم مقام المسمى ، كقوله: (فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ) .
وأقرب من هذا قوله: (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى) .
وأقام العلم به والمعرفة مقام الرؤية ، والخبر عن مقام الخبر ، ثم أطلع الألباب
على سرد المراد بقوله: (ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) .
وقوله: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً) .
وقوله: (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ) .
وقوله:"أَنا مع من طلبني وحيثما طلبني عبدي وجدني".
وقوله: (وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ) وهذا كثير ، فخبر في هذا عن
وجود له خاص مع عباده المؤمن زائد على وجوده العلي بالخلق .
والأمر الذي أعلم به في قوله الحق: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ )
ومعهود بتقرير الشرع ووجود الوحي أنه أقرب إلى العباد من أنفسهم
وذواتهم إليهم ، كذلك شأنه وأمره في سائر الوجود ، فأسماؤه - جلَّ جلالُه - من هذه الجهة