الرخاء ، ويرتقي إلى ذلك بالتحقق في التحقيق ، وذلك بأن يعزم على مجاهدة النفس
والعدو على العمل بحقيقة العلم ، فهما السببان الموصلان إلى الله - جلَّ جلالُه - والوصول هو
وجدان الحب له والرضا عنه في خالص سر القلب ، وفي ذلك الدخول في
حزب الله وحزب الله هم المفلحون .
فالإيمان بالله أولًا والإسلام له بالشهادة وعمل الجوارح درجة ، ثم لا يتم ذلك
إلا بالعمل بالعلم في سنن الاقتداء وما صد عن ذلك أو شغل عنه فهو فتنة ، ثم تلك
نعمة ولا تتم إلا بالإيثار لله ولرسوله ، وللإيمان بما يجب الإيمان به والاستسلام له
على ذلك ؛ لذلك قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى"
يكون الله ورسوله أحب إليه من نفسه وأهله وولده وماله والناس أجمعين"وحتى"
يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ، وحتى يكره أن يعود إلى الكفر ، كما يكره
أن يقذف في النار .
وعلى هذه المرتبة من الإيمان بالله ورسوله جاءت هذه الآية (أَحَسِبَ النَّاسُ
أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) . أي: حتى يظهر منهم
الإيثار ، فيرفعون إليه [أو لا يظهر] منهم الإيثار فيكون كما قال - عز وجل -:(وَمِنَ النَّاسِ مَنْ
يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ)وهو
نزول إلى رتبة المنافقين ، دل على ذلك ما أتبعه إياها قوله: (وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ
آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (11) . وهو أيضًا من الذين يعبدون الله على
حرف ؛ أي: على السراء دون الضراء .
أتبع ذلك قوله - جلَّ جلالُه -: (وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا
وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (3) . فالصدق هو الثبات في الأمر ، والعزيمة على
الرشد ، والتصميم في الصبر على تقلب المحن عليه ، حتى يرتفع بذلك إلى آعلى
الدرجات ، أمَّا قوله: (فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ) حيث وقع هكذا بلفظ الاستقبال ، فإنه - تبارك
وتعالى - لم يزل عالمًا بما يكون قبل كونه ، وإنما معناه على هذا أن يعلمه كائنًا بعد
وقوعه ، وقد كان قبل يعلمه ولم يكن بعد ، وعلى المعلوم تختلف الأحوال لا عليه ،