يخلفون ، ذلك عليه يسير هين ، وهو على كل شيء قدير .
المِثل والمَثل والمثال: هو نفس الشيء الذي هو مثل له بوجه ، وبوجه آخر
ليس به ، يعبر بأحدهما عن الآخر ، وهذا موجود في القرآن العزيز .
العبارة بالرسول عبارة عمن اتبعه واهتدى به واقتدى ، فالرسول مثل لمن أرسل
إليه فاهتدى به ؛ إذ المهتدون يمتثلون أمره ويستنون بسنته ، ويعملون بعمله ؛ [ليكونوا]
منه ويكون منهم ، فكان عيسى - عليه السَّلام - مثلًا لبني إسرائيل ، ولما لم يهتدوا به رفعه الله
عنهم ، وأبدل فيهم مثلًا له ، وزين لهم الشيطان سوء عملهم فعزموا على قتله وصلبه
بزعمهم ، فمكر الله بهم والله خير الماكرين ، ولن يضر الله شيئًا ولا رسوله ، والحمد
لله رب العالمين .
أنفد لهم عزمهم فما ضرهم ، وطهَّر رسوله - عليه السَّلام - برفعه من بينهم ، وأورث ذلك
الضلال خلَفهم ؛ ليبقى على الأولين أوزار الآخرين ، ويلحق الآخرين شؤم الأولين
بقولهم: (إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ) .
يقول الله وهو أصدق القائلين: (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ. . . )
إلى قوله: (بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا(158) .
(فصل)
ذهب الأكثر من المعتبرين وأهل الكلام على اللسان العربي أن اشتقاق
الحواريين من الحواري ، وهو البياض ، وقالوا: إنهم كانوا يبيضون الثياب يقصرونها ،
فسموا من أجل ذلك بالحواريين ، والأشبه في اشتقاقه أن يكون مشتقًا من الحور
الذي هو الرجوع .
قال الله - عز وجل -: (إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ(14) . أي: ظن أن لن يرجع [معادًا] إلينا .
وأما قولهم:"سميت الحواري ؛ لبياضها"فليس إلا لأنها حارت إلى ذلك ، وقد
كان أولها في منبتها أن تتمحص لنا بها بالماء والأرض ، ثم يخرج الله - جلَّ جلالُه - عنها
نباتها ، فعادت باستعمالها وتخليصها من قشرها ، ونخالتها إلى ما كان أصلا لها .
وسميت الحوراء:"حورًا"، لأنها حارت"أي: كانت حية في دار الدنيا ، ثم"
ماتت وحارت راجعة بعد الحياة الآخرة .