نصبنا هَاهُنَا ثلاث قباب لكل منهم قبة .
فبينا هم كذلك إذ أظلتهم سحابة بيضاء ، ونادى من السحابة صوت: هذا عبدي
الحبيب الذي ارتضيته فاسمعوا له ، فلما سمع التلاميذ جزعوا وخروا سُجدا على
وجوههم ، فتدانى منهم عيسى - عليه السَّلام - وقال: قوموا ولا تخافوا ، فعند قيامهم لم
يبصروا إلا عيسى - صلوات اللَّه عليه - وحده ، ثم قال لهم - عليه السَّلام -: سيأتي النَّاس
ويجبر الصدع .
فهذا كتابهم يخبرهم بأنه رفع من بينهم ، ولم يبقَ إلا ما شُبِّه به عليهم ، وأن
الصوت قد بلغ به إليهم عهدًا ، وجدد به لهم ذكرًا ، وأمرهم أن يسمعوا وهم لا
يعقلون .
واتفق هذا مع ما جاء به القرآن العزيز أنه ما قتلوه ولا صلبوه ، وأنه رفعه الله
-عز وجل - إليه ، وأنه شُبِّه عليهم لو كانوا يؤمنون .
ولما نرلت الآية التي في سورة الأنبياء - عليهم السلام - قوله:(إِنَّكُمْ وَمَا
تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ . . . )إلى قوله:(وَكُلٌّ فِيهَا
خَالِدُونَ)قال ابن الزبعرى: أنا أخصم محمدًا ، وأكثر في ذلك من القال .
فلما كان من غد ذلك اليوم وأصبحت قريش إلى بواديها عند الكعبة ، قال
لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -: يا محمد أنت تزعم أن الله أنزل عليك(إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ
دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ)فقد عبدت النصارى المسيح
عيسى ابن مريم ، وعَبَدَ غيرهم الملائكة ، أفتقول: إن هؤلاء في جهنم ؟ فأنزل اللَّه جلَّ
ذكره: (إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ(101)
إلى قوله: (وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ(103) .
وأنزل الله جل ذكره في ذلك في ذمِّهم: (وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ
مِنْهُ يَصُدُّونَ (57) . برفع الصاد من الصَّد عن سبيل الهدى ، وبكسر الصاد
يصِدون: يكثرون الصياح والكلام ، (مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا) .
إلى قوله: (إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ(59) وَلَوْ نَشَاءُ
لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلَائِكَةً فِي الْأَرْضِ يَخْلُفُونَ (60) . فأخذ - جلَّ جلالُه - بالشفاء ما
في الصدور ، ولو شاء لجعل ما على ما نحن عليه من نسل آدم ملائكة في الأرض