فتِح باب من جهنم - أعاذنا الله الرحيم برحمته منها .
وقدر - جلَّ جلالُه - رحمته من كريم تدبيره قامعة لنفَسَيْ جهنم ؛ ليصحب - جلَّ جلالُه - هذه
الرحمة إياها وكَّلها به ، فهي لا تفور حرًّا وبردًا ولا تهيج سمومًا وحميمًا إلا أعقب
-جلَّ جلالُه - ذلك منها بمقامع لها منه ، فتقول يومئذٍ:"حسبي حسبي ، وينزوي بعضها إلى"
بعض"."
ذلك بحكمته مستصحبًا في أثناء تداويرها قسرا قسرها بها ، وقهرًا منه قهريًا
على تعديها الحد الذي جعله [. . . .] ببعضها وهو الواحد القهار ، هذا إلى إرادته
بالرحمة ومشيئته بالرأفة في جعله لانزوائها وازديادها أوزانًا معلومة ومقاديرًا مقسمة
قدرها على تداوير محكمة بخطوطٍ مقسمة كتابًا كتبه - عز وجل - على نفسه:"إن رحمتي"
تسبق غضبي"كلما وضع [فيها قَدمَه] سبحانه وله الحمد من رحمته عند"
فورانها بزمهريرها أو سعيرها أورد ذلك عليها بحكمه ، وقبضها عن انبساطها بعلمه ،
فذاهبها ينتقص وواردها يتزيَّد بتزيُّد الوارد وانهزام الذاهب ، فيتحقق الوارد ثم يتزيد
ويفور فيعود عليها به منها ، فكذلك إلى مثلها .
هكذا جعل - جلَّ جلالُه - هذا آية على ما هنالك من حق موجود لا محالة اضطرت
عقول المعتبرين إلى معرفة وجوده ، كاضطرارها بواسطة تسيير النظر إلى القضاء
بوجود الفعل عن فاعل فعله ، وله - جلَّ جلالُه - رحمة من لدنه أصحبها تدبيره ، هذا أظهرت
لما عمَّت أجواء الرياح والسحاب والأرض أعلمها في الماء ، يفتح بهذه الرحمة
بابين من الجنة؛ أحد البابين: ما تقدم ذكره ، والباب الثاني: فتحه بالرياح اللواقح ،
فخلق - جلَّ جلالُه - السحاب ، وينزل الماء برحمته فيحيي به الأرض بعد موتها ، ويكسر ببرده
حرارة السعير ، ويلين برطوته يبس الزمهرير ، ويخرج به نبات كل شيء .
وهذه رحمة لم يجعلها في مواعيد تداوير الدوائر ، بل جعلها - جلَّ جلالُه - غيبًا في
تفضله برحمته فتحًا يفتح به على عباده عند حاجتهم إلى ذلك وضرورتهم إليه ،