قال إبراهيم - عليه السلام -: (رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى ) ولأنه من
وراء الإيمان ومعهود العقول طلب لذلك مثلًا يطمئن إليه قلبه ، فأراه الله جلَّ ذكره
مثلا وقف به على العلم بمطلوبه .
ثم قال له بعدما بين ما شاء من التبيين: (وَاعْلَمْ) مع هذا(أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ
حَكِيمٌ)لا يمتنع عليه ممتنع ، ولا يعجزه في الأرض ولا في السماء
فائت ، حكيم في فعله بما يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل ، يبقي حكم
هذا حال غيبة عينه ، ويقدم حكم حال هذا حين ظهور عينه ، ويخرج الحي من
الميت ويخرج الميت من الحي ، وكل ذلك قد أحاط اختزانه له وعلمه به وأحصاه
كتابه ، كذلك يخلق في حال الموت حياة ، وفي حال الحياة موتًا .
(فصل)
اعلم - وفقنا الله إياك - أن أول ما تقدمه بين يديك نظرك في كتاب ربك عز
جلاله على نحو ما تقدم الإيمان ، والإلقاء بالنفس بين يديه - عز وجل - ، والتبري من الحول
والقوة ، فمتى ما ادعيت علما سواء ما هو علمكه أسلمك لنفسك ووكلك لصفاتك .
ثم اعلم - علمنا الله العليم الحكيم من علمه وأجزل حظنا من معرفته - أن
إبراهيم - عليه السلام - هو الذي قال فيه الله - عز وجل -: (وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ(51) .
وقال جلَّ قوله فيها أيضًا: (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ
وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) . فهو جلَّ ذكره لا يعلمه إلا من هناك ، ولا بد له
من حيث أحله من معالم قد أراه إياها من ملكوته ، وإنما تقدمت إليك لتأخذ أهبته ،
وما لم يصل من معرفته أن الله خلق الدنيا نبذة من الآخرة صغيرًا من كبير ، وقليلا ،
من كثير على المزج واستصحاب رحمه الله - عز وجل - ، لولا ذلك لكانت هذه جهنم
الصغرى .
وإن النار لما اشتكت إلى ربها - جلَّ جلالُه - فاستأذنته أن تتنفس بنفسين فقدرهما - عز وجل -
تدوار دوائر حكمه الدوار أحكم ذلك إحكامًا وقدره تقديرًا على مطالع بروج
ومواقع نجوم ، واختلاف ليل ونهار ، فما تطلع شمسها من قصمة أو تنزل عليها إلا