فساده وبلاء ما يبلى .
وقد كان معهودًا أن يكون أوفر حظًّا من صفة الإبقاء بكثير ؛ ليجعل من علم
نفسه وطعامه وحماره وشرابه أنه تبارك وتعالى كيف يقصر طول المدة لما يشاء ،
ويطول قصرها لما يشاء ، ويقضي في قصر المدة ما ليس من العادة أن يقضيه في
أطول الطول ، وإنه القادر على تقصير مدة الدنيا حتى تكون للسائر في طريقه خطوة
واحدة ، حتى تكون في القصر كطرفة العين ، وأن يطول مسافة اليسير حتى لا يقطع
مسافة أبدًا .
كذلك إن شاء - جلَّ جلالُه - أسكن الكثير في القليل ، وسجن الواسع والرحب في الضيق
الحرج ، وإن شاء جمع الجملة في ذرة من ذرات العالم ، وضمن الخليقة كلها في
حبة الخردلة .
وكذلك إن شاء الله - جلَّ جلالُه - أسمع الميت الرميم سر الخطاب ، وأفهمه دقيق المعنى
من المراد ، ومنعه الحي السوي ، بل إن شاء الله - جلَّ جلالُه - ألا يسمعه وقع الصواعق ،
ويمنعه سمع سلق الأصوات المفزعة ، ويريه حقيقة ما قد كان ، ويقضى بما هو كائن
في المستقبل كرأي العين ، ويعجزه عن رؤية ما حضره ، ويمنعه مشاهدة ما شاهده ،
ويقبض البعيد المتناهي حتى يجعله كالشبر ، ويبسط الشبر حتى لا يقطع مسافة أبدًا ،
هو - جلَّ جلالُه - القابض الباسط ؛ لذلك قال الممتحَن بهذه الآيات:(أعلم أَنَّ اللهَ عَلَى كلِّ
شَيءٍ قدير ).
(فصل)
قال الله جل من قائل:(أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا
خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ)وأن في ملكوت السماوات والأرض وما خلقه
-جلَّ جلالُه - ما تقدم ذكره ما ذكره وأكثر جدًّا (فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) .
ولقد أخبر الصادق الحق - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه عن الأموات أنهم في الدار
الوسطى من أحوالهم وحياتهم وعلمهم وذكرهم على درجات ؛ قال جلَّ قوله:
(يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا(42) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (43) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا (44) إِنَّمَا
أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (45) .