نم قال جل قوله: (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا) طول مدتهم في الثرى(إِلَّا
عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا)فهؤلاء هم الكفار الأموات في الدنيا ، والذين لا
علم عندهم في هذه الحياة الدنيا .
وقال - جلَّ قوله - في المؤمنين أصحاب العلم:(وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ
الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ).
ثم أخبر - جلَّ جلالُه - بمنبعث جهلهم هذا من حيث يقوله - جلَّ جلالُه - (كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ) عن
الحق ، فأفكوا يوم البعث عن حقيقة ما لقوه في الدار الوسطى من عذاب وإقراع
ورضٍّ ورضخ ، ونزل من حميم وتصلية جحيم ، وأنواع العذاب الأليم .
ثم أخبر - جلَّ جلالُه - عن أهل العلم بقوله: (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ
فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (56)
أي: في الدنيا ، فكذلك لم يعطوا - أعني: المكذبين - في الدار الوسطى من الحياة
إلا ما ألموا بها وأحسوا العذاب ، ومن العلم إلا ما علموا به ما صاروا إليه من فقد
ما فاتهم .
ثم لما بعثوا إلى الدار الآخرة أفكوا عن العلم بما لقوه ، وشذَّ عنهم ذكر ما
أصابهم فيما هنالك ، فيقسموا ما لبثوا ساعة ، حتى إنهم عند قيامهم للنشور للنفخة
الثالثة يقولون: (يَا وَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا) فيقول المؤمنون:(هَذَا مَا وَعَدَ
الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ)أي: من الأمن للمؤمنين والفزع والحزن
للمكذبين ، ثم قال: (وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ) فيما بلغوا ، والمؤمنون هم العادون يومئذٍ
بالإضافة إلى الكافرين .
قال الله جل من قائل يخاطب الكافرين: (قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ(112)
قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ) أي: المؤمنين
الذين قالوا: قد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث ، فهذا يوم البعث .
كذلك قال جلَّ قوله: (لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) في الدنيا
لعملتم في الدنيا الحق ، ووقفتم عليه علمًا في الأخرى وفيما بين ذلك ، وهم في
ذلك على درجات ، فقولهم: (لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ) القائلين (بَعْضَ يَوْمٍ) أعرق
في الكافرين من القائلين: (يَوْمًا) .