وأن هذه الدار ابتنت بأسرها على معنى دار القرار الجنة والنار ، وسوف يعيدها
خالقها - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه بأسرها ، ثم يميز خبيثها من طيبها ، فيجعل هذا في
الجنة وهذا في النار، أنبأ بذلك القرآن الكريم ، وأعربت به الشواهد ، فاستقر
بتوفيق الله جلَّ ذكره وجود الموجودات علوا وسفلا على هذا .
ثم أقضى بموجب الحق أن كل ذكرٍ ففي الجنة ، وأن كل فتنة ففي النار .
ومن آياته بهما: أنه يبدو لعباده في الدار الآخرة ، ويرونه عيانًا كما يرون
الشمس والقمر ، وذلك يومئذٍ من أسمائه الحق المبين ؛ أي: إن هذا الحق الذي خلق
به السَّمَاوَات والأرض وما بينهما يَبِين عن نفسه فيما هنالك رأته العقول في هذه
الدار بحقائق الإيمان ، فتراه العيون يومئذٍ على العيان والشمس والقمر لهما أفول
وتغير وزوال ، وهو لا زوال ولا تغير .
وهو الذي أنكره إبراهيم - عليه السلام - حين تطلبه ربه بقوله: (لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ)
(لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ(77) .
أي: إني بريء مما تشركون ، فصعد وجود الشمس والقمر والنيرات بما فيهما
من وجود الحق المخلوق به السَّمَاوَات والأرض إلى وجود الحق المبين مشاهدة
فيما هنالك ، كما ينزل بها وجود الندين والفتنة بها إلى ما يكون كلها غدًا بالمعذبين
فيما هنالك .
ومن آياته - عز وجل -: ما شرعه من الشرائع ، إذ ذلك مما يختلف به الليل والنهار ، وإن
كل يوم هو من ذلك في شأن .
قال الله جل ثناؤه: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ) .
(وَلَقَدْ آتَيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ) إلى قوله جل
قوله: (وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ) إلى قوله:(ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ
مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا).
وقد فرض اللَّه - عز وجل - علينا الصلاة ، وأكثر التأكيد وبالغ في التوصية بصلاتين
طرفي النهار قبل طلوع الشمس وقبل غروبها آية على الوفاء بعهده في قوله جل
قوله: (وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا(62) .