المرتضى .
وتنقسم معاني المعبودات في الآخرة وفي دار القرار على ما [اقتضته] من ذكر
وفتنة ، فما كان منها في سبيل الفتنة ففي النار ، وما كان من معانيها في سبيل الذكر
ففي الجنة مثل أقول: كالشمس والقمر هما من حيث تسخيرهما لمنافع العباد ،
وسجودهما لخالقهما ، وعادتهما لمجريهما ، وشهادتهما لجاعلهما ومدبرهما ،
والتذكر بهما ، فمعنى ذلك كله في الجنة ، ومن حيث هما مزينان للساجدين
ومعظمان للعابدين لهما .
وقد تقدم فيما مضى من الاعتبار في فهم سجودهما ، وأن ذلك ينقسم على
حالتين لهما ، وإن ذلك مقدر بمقادير السماوات ، فهي على ذلك طالعة في حق قوم ،
ساجدة في حق قوم ، ومستوية في حق آخرين ، جارية بوجه وساجدة بوجه ، تقدير
من عزيز عليم .
فهاتان الحالتان أبدًا [لازمة] لهما فيما كان من طاعتهما لخالقهما - جلَّ جلالُه - في جريهما
وسجودهما ، ويذكرهما بولي النعمة - جلَّ جلالُه - بما هو في الجنة ينشئ اللَّه أمره بهما فيما
هنا إلى أمره فيما هنالك الذي عبر عنه بقوله: (وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ(25) .
وما كان من تزين الشيطان لهما واقترانه بهما ، وسجود الكفار لهما وسترهما
عقولهم عن تخطيهما إلى مسخرها ومعيدها هو في النار دون تعذيب لهما ، غير أن
هذا أمره وهذا أمره .
ألا تسمع إلى قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يخبر عن حال استوائها ، وأن الشَّيطَان
يقارنها ، قال:"وحينئذ تسجر جهنم"؟!
وقد تقدم فيما مضى أن الدنيا ابتنت على نَفَسَيْ جهنم سعيرها وزمهريرها -
أعاذنا الله برحمته منها سعيرها وزمهريرها - وأن نزول الماء برحمته يحيي الأرض
بعد موتها ، ويظهر أفاعيلها ويكمل حياتها ، فهذا الوجود المشاهد يخبرك بما تقدم
من الاعتبار ، وأن الماء آية على دار الحيوان ، وأن النفَسَين آيتين على جهنم .