(فصل)
في الاعتبار باختلاف الليل والنهار
وقال الله جل من قائل: (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ)
وقوله جل قوله: (يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي
الْأَبْصَارِ (44) .
إيلاج أحدهما في الآخر ، وتقصير هذا بتطويل هذا ، وتطويل هذا بتقصير هذا ،
وتقليبهما - والله أعلم - هو تلونهما باختلاف القضاء ؛ لتباين صور التدوير ، وجماع
ما يجري فيهما من حكم وأمر . يقول الله جل من قائل: (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) .
ووجه آخر ، وليس بخارج عما تقدم: طلوع الشمس والقمر في يوم وليلة في
غير مطلعيهما بالأمس ، وكذلك بالغد في غير مطلعيهما كذلك هما في معنى زيهما
إلى أن ينتهيا من حيث ابتدآ ، ثم إلى أمثال ذلك ، فتلك منهما آيتان على ظهور الحق
المبين في الدار الآخرة ، حيث لا شمس ولا قمر ولا نجوم ، غير أن ذلك الحق دون
أفول ولا غروب ، إنما هو ضياء ثم نور .
يقول الله جل من قائل:"يؤذيني ابن آدم ؛ يسب الدهر ، وأنا الدهر ، أقلب ليله"
ونهاره"."
فهذا الليل والنهار عن فيض ظهور الحق المبين ، والدهر هو مدة فعل الله جلَّ
ذكره ، كما الزمان مدة دوران الفلك ، فافهم - بلغ الله بنا وبك - ولا عدل بنا وبك
عن سواء السبيل .
روي في هذا الحديث برفع اسم الدهر ونصبه ، فالرفع تحقيق قول رسول الله:
"إن الله هو الدهر"سمي جلَّ ذكره ببقائه الدائم ودوامه المتمادي الذي لا أول له
ولا آخر ، بل (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ) .