والقدس بقدر قربه بتلك الإضافة .
قال الله - جلَّ جلالُه -: (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ
وَالْآصَالِ (36) .
وقال الله - عز وجل -: (إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ . . . )
و (يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ(20) .
وكما أن بين كل سماءين من هذا دوائر أفلاك أو ما يقوم مقام ذلك في تنزل
الأمر ، وكلما ظهر فيما هَاهُنَا - أعني: دون السماء - فهو له على وجود فاعل ، لكن
أفضل وجودًا وأوسع جدًّا وأفخم (وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا
مُعْرِضُونَ (32) .
وكل يشير بل يعلم بما هو آية عليه وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (20) وَفِي
أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (21) . أن في السماوات والأرض آيات
للموقنين .
(فصل)
وربما أشكل على قارئ كتابنا هذا ما يسمعه من قولنا من ذكر قُوى وطبيعة ،
وإضافة فعل إلى ما لا يصح الفعل منه ولا الاختيار ، فليعلم أن ذلك منَّا على سبيل
التجوز ؛ لغلبة العادة الجارية في التخاطب من اختصار ذكر الفاعل الأعلى تبارك
وتعالى ، وإنما الفعل لمن يملك إمضاءه ، وعنه مصادره وموارده ، وله أوله وآخره
وظاهره وباطنه ، فله المورد والمصدر .
وهو المقدم والمؤخر ، القائم على كل شيء والوكيل عليه ، والمحيط به من
وراء كل حيطة ، والوكيل على كل وكيل ، فإنه وإن كان الاتساع في مجرى الخطاب
جائزًا معلومًا ، فإن ذلك على الدوام سبب لإظلام السبيل ، ومؤيد للغفلة عن النظر
إلى حقيقة التحقيق ، وقد أعضل بذلك الداء في قوم حتى أفضى بهم إلى سوء
المعتقد ، لأجل المداومة على ذلك ، ونسيان الفاعل الأعلى الحق - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه
وشأنه.