ثم الرئة بمنزلة القمر في العالم مع الشمس تروح عن القلب الحرارة وتحللها
وتلطفها في الجسم ، وتحيلها إلى الرطوبة .
ثم الكبد يعدل الغذاء ويُصيِّره إلى القلب صافيًا بوزن سواء ، وقسط مقسط
وهي بمنزلة المشتري من هذا العالم .
ثم الطحال له قوة ماسكة تمسك ثقل الغذاء وتيبسه ، وتغذيه بإذن الله تعالى .
وهو في الإنسان بمنزله زحل في العالم .
ثم المعدة لها قوة شهوانية قابلة للغذاء [جاذبة] له بشهوة نامية ، وهي في الإنسان
بمنزلة الزهرة في العالم .
ثم المرار له قوة نارية مسخنة للمعدة ، مهيجة لها في الغليان يزيد في شهواتها ،
وتنبعث منها الشهوة في الجسم ، وهي المقيمة في الشهوات النارية ، وهي في
الإنسان بمنزلة المريخ في العالم .
ثم الدماغ له القوة الفكرية المؤلفة بين الأشياء الممازجة لها ، وهو موضع
ارتباط الصور وتشكل الأشكال ، وهو في الإنسان بمنزلة عطارد في هذا العالم ، هذا
كله فيما هو صلاح فيه أو ما يضاده من جهة الخلقة .
وأما أمر الله فيهن - أعني: النيرات - فكذلك هذه الأعضاء في تنفيذ الأمر من
تدبير الملائكة - عليهم السلام - فيهن وبهن في الأعمال الخلقية والشرعية
والصفات ، إلى غير ذلك مما يعلمه الله جلَّ ذكره ولا نعلمه ، فسبيل ذلك فيها ظاهر ،
لا تعزب الإشارة إلى علمه ولا الدلالة على أن ذلك موجود فيها على ذي عقل
سليم .
وإن الدماغ والرئة والطحال والكبد والقلب مواضع العقل والعلم والضحك
والسرور والإرادة والفكر والذكر والوهم ، إلى وجود أضداد ذلك كذلك ما شابهها
من سماواتها مواضع الصفات المبثوثة من العالم ، فاتخذ - وفقك الله - هذا شاهدًا
تعبر إلى ما علا ، ودليلًا تستدل به فيما هنالك يكن كل على درجته ، فإنه كلما صعد
النظر كان أقرب إلى الصفات القُدسية .
ثم كذلك صاعدًا إلى سدرة المنتهى ، ثم كذلك إلى المستوى حضرة جلاله
وساحة قدسه ، آيات ذلك: إنه كلما أضيف إليه فيما هنالك جعل له من الطهارة