الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ).
قال الله - جلَّ جلالُه -: (وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ) المعنى إلى
آخره ؛ والحق هنا هو ما إليه المصير ، وما هو يحققه الوجود فيما هنالك .
وكان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول:"أنت الحق ، وقولك الحق ، والجنة حق ، والحوض"
حق ، والصراط حق"إلى آخر الشهادات ، وكلها جاء من موجودات الآخرة فيما"
هنالك يجب الإيمان به ، ففي موجودات السماوات والأرض شواهده ودلائله ،
فتفهم ذلك .
قال الله - جلَّ جلالُه -: (لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) وإنما سُمي حقًّا لتحقيق
وجوده هنالك لوجه ، وإن ما هنا يدل عليه ويشير إليه كلّ على ما يقابله ويجانسه ،
ولتداخل معاني ما هَاهُنَا فيما هنالك وتشابهه قد يدل مطلوب ما يدل عليه موجود
ما بوجه ما ، ويكون دليلا على موجود آخر فيما [هنالك] لوجه ما ، حتى يستوي في
النظر في الوجود فيما هذا سبيله جملة ، وربما تطرق ذلك إلى بعض التفصيل ،
ولعسر جمع ما هنالك إلى ما هَاهُنَا يشير العقل إلى توقيف ما ذكرناه ولا يدركه
تفصيلا .
وإنما يكون ذلك أقرب للتبيين وأيسر سبيلًا إلى مشاهدته في الدار الآخرة ،
وتبقى أيضًا جملة الآخرة لا يحيط بها عقل ولا يحصرها علم ، لصدق قيله - جلَّ جلالُه - في
الدنيا والآخرة (وَيَخلق مَا لَا تعلمون) وفيه في خاصة الآخرة (فَلَا
تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (17) .
ولولا غيب الآخرة والغفلة اللازمة لا عن مثالاتها الدالة عليها لقد كاد يكون
النظر فيما هذا سبيله بين ، والعقل أذكى والبصيرة أثقب ، لا يسع تلك الساحات
وصفاء أضوائها وصدق شواهد ما هنالك ، فافهم .
روى ابن عباس بن عبد المطلب - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان جالسًا بالبطحاء
وعصابة من أصحابه - رضي الله عن جميعهم - إذ مرت عليهم سحابة ، فقال النبي
-صلى الله عليه وسلم -:"هل تدرون ما اسم هذه ؟"قالوا: نعم ، هذه السحاب . فقال - صلى الله عليه وسلم -:"والمزن"