وأما صدق العمل: فهو الهجوم على ما عزم عليه من العمل بالحرص
والانكماش خشية أن يقطعه عنه قاطع .
ومنبعث الصدق ومخرجه من المعرفة بأن الله يسمعه ويراه ، وحينئذٍ ؛ يشاهد
عقابه ولْوابه ، وتبدو له معارف لا يعلم قدرها إلا المنان بها ، وهذه المعرفة هي أصل
كسائر الأعمال ، وعلى قدر الصدق يزداد العبد في أعمال البر .
يقول الله - جلَّ جلالُه -: ( فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ) والفرض الدائم
هو الصدق بالتوبة ، ومن لم يؤدِّ الفرض الدائم لم يقبل منه الفرض المؤقت .
ومدار الحكمة على ثلاثة أشياء: على الصدق وهو باللسان ، والتصديق وهو
بالقلب ، والتحقيق وهو بالجوارح ، وإذا وقر الصدق في القلب بمعرفة قرب الرب
انسطع لذلك نور لأجل حرمة المراقبة فانتشر في سائر جسده وأخذت منه كل
جارحة بقسطها ، ومن صفات الورع: الصبر ، فلا يتم إذن إلا به ، والصبر وتحمل
الآلام عند نزول الأحكام ، وترك الشكوى والسكون ، وكتمان المصائب وتجرع
المرارات ، وأرفع الصبر وأعلاه: رؤية المرارات بعين الحلاوات ، وهذا مقام التنعيم .
والفرق بين الصبر والتصبر: هو أن يصعد الصبر إلى مقام الرضا فيعمل على
الطيبة والسماحة ووجدان الحلاوة ، والمتصبر همته تمحيص الجنايات وتكفير
السيئات .
والصبر على ثلاثة منازل: الصبر في الله ، والصبر لله ، والصبر مع الله ، وأشده
الصبر مع الله .
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"لا أحد أصبر على أذى يسمعه من الله"إنهم يكفرون به
ويجعلون له الصاحبة والولد ، وهو يعافيهم ويرزقهم ، وقد قالوا: الصابر لله وفي الله
لا يجزع ولا توجد منه الشكوى .
والمتصبر: هو الذي يصبر لله على المكاره ، فمرة يصبر وتارة يعجز .
والصابر: من لا يشكو ولا يعجز .
والصبَّار: هو الذي لو وقع عليه جميع البلاء والمحن لم يتغير من جهة الحقيقة