يقول الله - جل من قائل: (فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ(69) .
وروي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"يقول الله - جل من قائل: عبدي ، أدِّ ما"
افترضت عليك تكن من أعبد الناس ، وانتهِ عما نهيتك عنه تكن من أورع الناس ،
واقنع بما رزقتك تكن من أغنى الناس"."
وأشد الورع: ورع اللسان ، فإنه لا ورع كالكف ، وكان يقال: أفضل الطاعة:
الورع ، وأصل الورع: التقى ، وأصل التقى: محاسبة النفس ، وأصل محاسبة النفس:
الخوف ، وأصل الخوف والرجاء: معرفة الوعد والوعيد وذكر عظيم الثواب وأليم
العقاب ، وأصل ذلك كله: الفكر والعبر ، ولا يتم الورع إلا بالصدق .
والمؤمن مفتقر إلى صفة الصدق في مبتدأ أحواله ونهاياتها وفي جميع أحواله
ظاهرها وباطنها ، وأن المؤمن قد يطبع على البخل وعلى الجبل على كثير من
الأخلاق النازلة عن الحق ولا يطبع على الكذب ، فمتى طيع على الكذب في أقواله
وأفعاله لم يكن مؤمنًا ، فعلى من طلب الصدق في سيره إلى ربه أن يبذل المجهود
على النهاية في بلوغ الغاية ويلتزم الوفاء ، وأن يطالب نفسه بالصدق في جميع
أحواله وأقواله وأعماله ويفتشها بالعلم مخافة تزيين العدو وتلبيسه ، فقد حذر الله من
ذلك بقوله: (أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) .
والصدق في الأعمال: أن تكون موافقة للأقوال ، والصدق في الأقوال: أن
تكون موافقة للأحوال ، والصدق في الأحوال: أن تكون موافقة للأسرار ، والصدق
في الأسرار: أن تكون موافقة لله العزيز الجبار - جلَّ جلالُه - ، وأيضًا فالصدق صدق القلب ، ثم
صدق اللسان ، ثُمَّ صدق العمل .
فأما صدق القلب: فهو أنه في كل ما يريده ويقصده لا يريد به سوى الله تعالى .
وأما صدق اللسان: فهو أن يطلقه إذا قام له شاهد من كتاب أو سنة أو إجماع
الأمة ، فإن وجد ذلك وإلا أمسكه ، وإن أطلقه على غير ذلك كان وهنًا في دينه .