فهرس الكتاب

الصفحة 2268 من 2809

فرط منه ، ثم العكوف على ما صفى ، وكمال ذلك الإقبال على الحق والإدبار عن

الخلق ، ثم الكد والرجاء والخشية من المولى والتبرئ من الحول والقوة ، ثم

الالتجاء ، ثُمَّ لا تصح التوبة إلا بالتوبة من ترك التوبة بإسقاط رؤية التوبة ، ثم بعد

هذه المنزلة في التوبة مراقبة الخطرات في الإسرار والوقوف على الطاعات

بالأذكار ، ولزوم باب الرقيب بالهم والأفكار ، وأن يشغل كله بكل الكل عن الكل ،

ولا يتم ذلك إلا بصدق الإنابة في البداية والنهاية ، وهي الرجوع إلى الله - جل ذكره

-في كل خطرة وطرفة ، ويجعل الرجوع منه إليه حذرًا ومن غيره رغبًا ، ومن كل

تعلق براحة سوى الاشتغال به رهبًا ، ولا يتم ذلك إلا بالزهد ، وحقيقة الزهد: ترك

الفضول ، ثم الإقبال على الله ، وكف النفس عن هواها ، وترك الراحة طلبًا للراحة

عنده ، ثم الزهد في الجاه وأخذ قوت النفس للضرورة .

وبالجملة: فالزهد ترك الدار بما فيها وإقبال النفس على بارئها ، والخير كله

موضوع في الزهد ، وذلك على ثلاثة أركان: ترك العلائق ، وسياسة البدن بالتضمر

للخالق ، والانقطاع عن الخلائق ، فأما ترك العلائق: ففيه سقوط الهم فيما سبيله

المعاش ، وأما سياسة البدن: ففيها سقوط الشهوة ، وأما الانقطاع عن الخلق: ففيه

وجود الأنس بالله - جلَّ جلالُه - ، ولا يتم الزهد إلا بالورع ، وهو الوقوف عن الشبهات والتنزه

عما لا يعنى من المباحات والتخلص من الشهوات ، وعليه أن يحفظ قلبه عند

التأويل وأن يرد كل خطرة إلى التنزيل ، وأن يعمل نفسه بسلامة الصدر مع معرفة

القدر ، وإن استطاع ألا يحيل قلبه إلا في تفكر في الملكوت وفيما خلق الله من شيء

أو في آية من كتاب ربه - عز جلاله - وفي ذكر الموت وأنه لعله قد قرب الأجل

مع أن السفر طويل والأمر جد ، والورود مع حال الغفلة وقلة الزاد غرر ، فهو طريق

الاستقامة والسبيل القاصدة إلى محل الفوز ومنال السعادة ، وليدع ما يريبه إلى ما لا

يريبه .

وإذا تضايقت الأمور واستبهمت عليه الأشباه فليستفت قلبه ، وليترك ما حاك

في صدره ، وعند هجوم الإرادات فعليه بالتوقف حتى يقع التفتيش عن الشبهة ،

وليتقص في قليل ذلك كله وكثيره وحتى عن مثاقيل الذر في الظاهر والباطن ،

والخوف يزيد في قدر الورع ، وكذلك المعرفة بأيادي الله تعالى .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت