فرط منه ، ثم العكوف على ما صفى ، وكمال ذلك الإقبال على الحق والإدبار عن
الخلق ، ثم الكد والرجاء والخشية من المولى والتبرئ من الحول والقوة ، ثم
الالتجاء ، ثُمَّ لا تصح التوبة إلا بالتوبة من ترك التوبة بإسقاط رؤية التوبة ، ثم بعد
هذه المنزلة في التوبة مراقبة الخطرات في الإسرار والوقوف على الطاعات
بالأذكار ، ولزوم باب الرقيب بالهم والأفكار ، وأن يشغل كله بكل الكل عن الكل ،
ولا يتم ذلك إلا بصدق الإنابة في البداية والنهاية ، وهي الرجوع إلى الله - جل ذكره
-في كل خطرة وطرفة ، ويجعل الرجوع منه إليه حذرًا ومن غيره رغبًا ، ومن كل
تعلق براحة سوى الاشتغال به رهبًا ، ولا يتم ذلك إلا بالزهد ، وحقيقة الزهد: ترك
الفضول ، ثم الإقبال على الله ، وكف النفس عن هواها ، وترك الراحة طلبًا للراحة
عنده ، ثم الزهد في الجاه وأخذ قوت النفس للضرورة .
وبالجملة: فالزهد ترك الدار بما فيها وإقبال النفس على بارئها ، والخير كله
موضوع في الزهد ، وذلك على ثلاثة أركان: ترك العلائق ، وسياسة البدن بالتضمر
للخالق ، والانقطاع عن الخلائق ، فأما ترك العلائق: ففيه سقوط الهم فيما سبيله
المعاش ، وأما سياسة البدن: ففيها سقوط الشهوة ، وأما الانقطاع عن الخلق: ففيه
وجود الأنس بالله - جلَّ جلالُه - ، ولا يتم الزهد إلا بالورع ، وهو الوقوف عن الشبهات والتنزه
عما لا يعنى من المباحات والتخلص من الشهوات ، وعليه أن يحفظ قلبه عند
التأويل وأن يرد كل خطرة إلى التنزيل ، وأن يعمل نفسه بسلامة الصدر مع معرفة
القدر ، وإن استطاع ألا يحيل قلبه إلا في تفكر في الملكوت وفيما خلق الله من شيء
أو في آية من كتاب ربه - عز جلاله - وفي ذكر الموت وأنه لعله قد قرب الأجل
مع أن السفر طويل والأمر جد ، والورود مع حال الغفلة وقلة الزاد غرر ، فهو طريق
الاستقامة والسبيل القاصدة إلى محل الفوز ومنال السعادة ، وليدع ما يريبه إلى ما لا
يريبه .
وإذا تضايقت الأمور واستبهمت عليه الأشباه فليستفت قلبه ، وليترك ما حاك
في صدره ، وعند هجوم الإرادات فعليه بالتوقف حتى يقع التفتيش عن الشبهة ،
وليتقص في قليل ذلك كله وكثيره وحتى عن مثاقيل الذر في الظاهر والباطن ،
والخوف يزيد في قدر الورع ، وكذلك المعرفة بأيادي الله تعالى .