(وَلَن تَفعلوا ) .
فالقرآن الكريم إذًا معجز بنفسه ، معجز بأنه محفوظ من انصراف الهمم إلى
معارضته بأمر كون وقدر عزم من الله جلَّ ذكره ؛ ذلك لأن السماء حرست بالنجوم ،
وحفظت من استراق الشيطان سماع الوحي بالرجوم ، والهم بمعارضة القرآن إلقاء
الشيطان ، فحرس أيضًا بعد نزوله كما حرس حين النزول وقبله ، ولم يكن الحفظ
شاملًا للإنس والجن ، فلذلك ما كذب به من كذب منهم ، فقذفوه بألسنتهم ورجموه
بأقوالهم وبظنونهم سحر وشعر وجنون وأساطير الأولين ، وغير ذلك من أنواع
أباطيلهم .
قوله - جلَّ جلالُه -: (فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ وَالحجارة ) الوقود
بفتح الواو: الحطب ، وبرفعها: اللهب ، هذا من فصل الوعيد المفصل ، من فصل اسم
المحنة بالنذارة التي اقتضاه اسمه المبتلي ، أخبر الله - جلَّ جلالُه - بصدق قيله أن وقودها الناس
والحجارة ، فذكر أهل التفسير: إنها حجارة الكبريت ، وليس ببعيد ما ذكروه ، ولا
بمنكر ما ذهبوا إليه رحمة الله على جميعهم .
لكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال في حديثه عن مسراه ليلة أسري به وفيه:"ورأيت النار ،"
وإذا عذاب الله شديد لا تقوم له الحجارة ولا الحديد"."
فظاهر هذا إنه لم يعيِّن بهذا الخطاب حجارة الكبريت تلك تتوقد بأيسر نار ،
والمراد الإعلام بشدتها كما قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"ناركم هذه جزء من سبعين جزءًا"
من نار جهنم"أعاذنا اللَّه الرحيم برحمته منها ، فتلك الشدة من عظيم يبسها ، وقوة"
حرها يستخرج من الحجارة والحديد رطوبة تكون عنها لها وقود ، فعل هذه
بالحطب فجكثر عن ذلك لهبها ويشتد سعيرها .
وإعلام آخر منه: إن موجودات جهنم - أعاذنا الله الرحمن برحمته منها -
يخلقها الله خلقا يحتملون به تلك الشدة ، فهي أبدًا تتوقد بهم ولا تلتهبهم .