وأما الإخبار عن الغيوب والإنباء بما لم يكن بعد فلا يستطيعه أحد دون ذلك
الحجر المحجور والسد المسدود ، فكيف والحصر قد أحاط به من كل جهة ،
والعجز قد اكتنف من رام هذا الشأن عن كل نوع من الإعجاز الموجود في القرآن
العزيز بقول الصادق الحق العليم بحقيقة كتابه ، الخير بما جعله من ألطافه في
خليقته: (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ
بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (88) .
قوله - جلَّ جلالُه -: ( فَإن لم تفعلوا ) أي: إن لم يكن لكم استطاعة على
الإتيان بمثله على الشرط المشروط ، هذا خطاب متوجه إلى العرب واليهود
الحاضرين يومئذٍ ، المجاورين مهبط الوحي بأن يبحثوا عن قواهم واستطاعاتهم على
الفعل الذي يكون عنه الإتيان بمثل السورة الواحدة من مثل هذا النبي المبعوث
إليهم .
ثم أعلم العليم الخبير ببواطنهم ومقادير قواهم ، على أنهم لن يفعلوا ، أي: إنهم
لا يقدرون على ذلك ولا يقاربونه ، نعم ولا تتوفر لذلك دواعيهم ولا تنصرف إليه
هممهم ، هذا هو الإعجاز الفصل والتعجيز الحق ، قصر دواعيهم وقواهم عن أن
يظنوا بأنفسهم قوة على المعارضة ، ولذلك رأيا العرب العاربة قد عدلوا عن
معارضته إلى المقاتلة ، وتعوضوا من ذلك القتل والسباء ورضوا بالخروج عن
الأوطان والجلاء .
وما سمع بجماعة منهم من طريق يصح نقله أنهم تشاوروا على معارضته ، ولا
أعلم أن دواعيهم توفرت لمناقضته ، ولا أنهم تحدثوا به تصديقًا لقوله الحق:( وَلَن
تَفْعَلُو).
وبوجه آخر: من تبين الإعجاز في قوله: ( من مِثلِهِ ) أي: مثل
القرآن المنزل عن كلام رب العالمين إلى ما هو قراءة للمخلوقين وتلاوة
للمحدلْين""
وبوجه آخر قوله جل قوله: ( مَن مِثْلِهِ) أي: المفصل من محكم أسمائه
الحسنى ، ومعانى حقائق صفاته العلا إلى جميع الخطاب بكل وجه إلى كل مأخذ ،
فهذان الوجهان والذي قبلهما أعلى إعجازًا وأظهر قهرًا ، لذلك وهو أعلم قال: