فصل
واعرف في الغيب مما تقدم ذكره مفهوم قول الله - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه:
(إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا)
ومفهوم قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في"
بطه نار جهنم"."
والله جلَّ ذكره هو الحق المبين ، ورسوله وكتابه الحق ، وما جاء به من عند الله
ما يخالف الحق ولا ما يباعده ، وقد قال الله جل قوله:(إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ
الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا).
وحقق ذكر الأكل بذكر البطن ، وإنما يكون الأكل على المعهود من الأكل في
البطن ، وإنما استاق ذكر البطن للبيان وزوال الإشكال ، فإن قيل: إن ذلك يكون في
المآل ، فقد جاء ذكر المآل مجردًا بعد هذا في قوله: ( وَسَيصلَوْنَ سَعِيرًا)
فأوجب ذلك أن يحمل الخطاب على ظاهره ، وأن وجود ذلك في
الحال من أكله غائبًا عنا .
ومن أعجب العجائب أن يجده الطاعم طعامًا ملذًا وشرابًا باردًا سائغًا ،
وحقيقته عند الله وعند الملائكة نار ، لكن هذا لا ينكشف حقيقة طعمه وذوقه
ووجود الحس له إلا في حياة غير هذه الحياة .
وكما أن حياة الجاهل والكافر لا يوجد بها أنواع الحقائق ، بل جل حق الآخرة
لا يجده ، ويجده المؤمن الموقن بحياته ، فيسهر ليله ويظمأ نهاره ، ويتجشم من أجل
ذلك للأسفار البعيدة ، ويبيع من الله نفسه وأهله وماله ، وتبكي عينه ، وينحل جسمه
ويسقمه ، وربما قتله وجودًا أو وجدًا ، فاقضِ بهذا المعهود على ما يرد عليك من