حقائق الغيوب تصب البغية إن شاء الله تعالى .
ألا تسمع إلى قوله جل قوله وتعالى علاؤه وجده في تحقيق ما نحن بسبيل
تبيانه: (إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ(13) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (14) يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ (15) .
يخبر عن حالهم اليوم في يوم الدين ، يعني: حال الموت .
ثم قال عز من قائل: (وَمَا هُمْ عَنْهَا بِغَائِبِينَ(16) . أي: اليوم أو الآن ،
وما كان في معنى العبادة عن الحال ، فانظر إليهم الآن يأكلون ويتمتعون ، وعلى
أرائكهم وأسرة ملكهم ، وليسوا بغائبين عن الجحيم .
وقال عز من قائل في موضع آخر: (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى
لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ (53) . أي: لولا الأجل المضروب لهم لعجلت لهم قامتهم
(وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ) العذاب (بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) أي: بالموت أو
الإهلاك لهم كما تقدم للقرون الماضية والأمم المهلكة الخالية أمثالهم .
أعقب ذلك ثم قال - عز من قائل - معبرًا عما نحن بسبيله: (يَسْتَعْجِلُونَكَ
بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (54) فها هي محيطة بهم وهم
لا يشعرون لها ، ولا يجدون حريقها ولا مس لفحها ، ولا يسمعون زفيرها إلا أعمالًا
منهم توجب عليهم حلولها ، إنما هو القهر من القاهر العزيز - جلَّ جلالُه - ، هذا الذهول
موجود منهم عن الإيمان به مع وجودهم لفح سعيرها وزمهريرها ، تغدو عليهم
وتروح جهنم بنفسها وهم لا يشعرون أموات غير أحياء .
ولذلك هم إذا ذكروا لا يذكرون ، والأشقياء منهم إذا رأوا آية يستسخرون أبطن
ذلك عنهم في هذه الدار وأظهره في الآخرة كما أبطن إيمانهم بذلك منا ، وأظهره
منهم في الآخرة (سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا) .
(وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ(49) .
ومن ذلك في الإنباء قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -"زائر المريض في مخرفة الجنة حتى"
يرجع ، فإذا قعد عنده غمرته الرحمة"."