والمسائلين ، وكما قال - صلى الله عليه وسلم - في الجنازة:"يكون مصيرها إلى خير أو إلى شر"إنما
هو يوم آخر ، وهو الصواب ، كذا جاء في"الصحيح"ما قال ، والفرق بين الحياتين
في الآخرة من جنس الفرق في الدنيا بينهما وعلى ما سيأتي ذكره إن شاء الله .
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لجابر بن عبد الله - رضي الله عنهما - وقد استشهد
عبد الله أبوه - رضي الله عنه - يوم بدر:"يا جابر ، ألا أخبرك عن أبيك إن الله أحياه وأقعده بين يديه"
وكلَّمه كفاحًا ، وقال له: عبدي تمنَّ عليَّ ، فقال: يا رب ، أحب أن تعيدني إلى الدنيا
فأقاتل في سبيلك فأقتل فيك ، قال: قد سبق مني - أو تقدم مني - أنهم إليها لا
يرجعون"."
وقال الله - عز وجل - في رجل قتل في سبيل الله: (قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي
يَعْلَمُونَ (26) بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ (27) .
وأيضًا فكما يكون الحق حقًّا عند العالم به المعتقد له ، ويكون ذلك الحق
بنفسه باطلًا عند الجاهل به ، ذلك بأنه ظهر للعالم المؤمن به وبطن عن الجاهل ،
كذلك يكون الجسم ميتًا ممزقًا ترابًا أو عظمة نخرة ، وعدم عند من يراه ، وذكره
كذلك في ظاهر الحال وقد بطنت عنا حقيقته .
ويراه أهل الآخرة حيّا سويًّا يأكل ويشرب وينعَّم ، أو على غير ذلك من سائر
أحواله ؛ إذ قد ظهرت لهم حقيقته على ما هي عليه ، وعلى هذا فاقضِ أيضًا على أن
موصوفات الآخرة وأحكامها على حقيقة ما جاء به النبأ الحق من عند الله جل ثناؤه ،
وَإياك أن يستجرك أصحاب قضاء العقل الأدنى الذي به عقل أهل الدنيا في دنياهم ،
ولم يصعد بهم النشوء إلى ما علا منه ذلك الذي تساوى فيه الغافلون ، فيشغلك
ذلك عن قضاء العقل الأعلى الذي أوتيه أولوا الألباب ، فإن حُرمتَ القيام عليه عقلًا
ومشاهدة فقف عليه بإيمان جزم وتسليم وتصديق ؛ لتكن بذلك تاليًا ؛ إذ لم تكن
عالمًا ، وجانِبَ الإنكار جملة . انتهى .