فهرس الكتاب

الصفحة 140 من 2809

(وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ(169)

فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ . . . ).

مثال ذلك في الحاضر: حياتنا هذه الحياة الدنيا وما يتخللها من معاني الموت ،

كالجهل والنسيان والذهول والنَّوم وما شابه ذلك ، وأن الأمر ينشأ إلى أعلاه .

ومن ذلك أيضًا: هذه الأجسام المشاهدة من نبات وحيوان يتغذى مما يتغذى

به ، فيخلق الله - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه عن ذلك الغذاء أجسامًا لو تجمعت في

الجسم المتغذي دون أن يتخللها إعدام لذهب الجسم ، وبتجمع تلك الأجزاء

وتراكمها عن حدوده وذهب عن المقصود به ، لكن سنة الله - جلَّ جلالُه - في خليقته أن يعدم

من تلك الأجزاء ما شاء ، ويخلف فيها ما شاء أجزاء غيرها ، فهو أبدًا خلق .

ويعلم هكذا خلقًا وأمرًا ، وهو الخلاق العليم على الدوام أبدًا ، ويظهر الجسم

على المقدار الذي قد كتبه القلم العلي قبل البدء الأول في كتاب المقدار تدبيرًا

وأمرًا ، يخلق قسطًا ويعدم قسطًا ، يرفع قسطًا ويخفض قسطًا ، وعلى ما شاءه من

خصب وجذب زيادة فيه أو نقصان منه ، فربما أبقاه على المعهود من حاله مع

تحديد الزيادة فيه أو النقصان منه .

وكما قد سبقه في كتاب المقدار وفي اللوح المحفوظ فهذا موت باطن وإحياء

باطن ، وإعدام وخلق باطنان ، وإن أحدنا لا يكاد يشعر بهذا التمزيق ، ولا إعدام

المذكورين لبطونهما علمًا وعقلًا ، فكيف مشاهدة ؛ كذلك في كل شيء في السماء

والأرض والجبال وغير ذلك .

قال الله - جلَّ جلالُه -: (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ) وعلى هذا

أتقن صنعه - جلَّ جلالُه - وأوجد خليقته ؛ لذلك قال عز من قائل:(صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ

شَيْءٍ)فأعلمك مما ذكرناه نصًّا ، والحمد لله رب العالمين ، فافهم .

وكذلك فاقطع إذًا بظهور الإعدام والتمزيق ، ويكون الإيجاد والتجربة بعد

الموت (أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ)

كما قال: (عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ)

هو الخلاق في [جميع] الأجسام على الدوام ، وهو العليم بحيث يصير

ما أعدم منها ، وذلك قوله: (قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ) أي: الأجسام منهم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت