(وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ(169)
فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ . . . ).
مثال ذلك في الحاضر: حياتنا هذه الحياة الدنيا وما يتخللها من معاني الموت ،
كالجهل والنسيان والذهول والنَّوم وما شابه ذلك ، وأن الأمر ينشأ إلى أعلاه .
ومن ذلك أيضًا: هذه الأجسام المشاهدة من نبات وحيوان يتغذى مما يتغذى
به ، فيخلق الله - جلَّ جلالُه - وتعالى علاؤه وشأنه عن ذلك الغذاء أجسامًا لو تجمعت في
الجسم المتغذي دون أن يتخللها إعدام لذهب الجسم ، وبتجمع تلك الأجزاء
وتراكمها عن حدوده وذهب عن المقصود به ، لكن سنة الله - جلَّ جلالُه - في خليقته أن يعدم
من تلك الأجزاء ما شاء ، ويخلف فيها ما شاء أجزاء غيرها ، فهو أبدًا خلق .
ويعلم هكذا خلقًا وأمرًا ، وهو الخلاق العليم على الدوام أبدًا ، ويظهر الجسم
على المقدار الذي قد كتبه القلم العلي قبل البدء الأول في كتاب المقدار تدبيرًا
وأمرًا ، يخلق قسطًا ويعدم قسطًا ، يرفع قسطًا ويخفض قسطًا ، وعلى ما شاءه من
خصب وجذب زيادة فيه أو نقصان منه ، فربما أبقاه على المعهود من حاله مع
تحديد الزيادة فيه أو النقصان منه .
وكما قد سبقه في كتاب المقدار وفي اللوح المحفوظ فهذا موت باطن وإحياء
باطن ، وإعدام وخلق باطنان ، وإن أحدنا لا يكاد يشعر بهذا التمزيق ، ولا إعدام
المذكورين لبطونهما علمًا وعقلًا ، فكيف مشاهدة ؛ كذلك في كل شيء في السماء
والأرض والجبال وغير ذلك .
قال الله - جلَّ جلالُه -: (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ) وعلى هذا
أتقن صنعه - جلَّ جلالُه - وأوجد خليقته ؛ لذلك قال عز من قائل:(صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ
شَيْءٍ)فأعلمك مما ذكرناه نصًّا ، والحمد لله رب العالمين ، فافهم .
وكذلك فاقطع إذًا بظهور الإعدام والتمزيق ، ويكون الإيجاد والتجربة بعد
الموت (أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ)
كما قال: (عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالَكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ)
هو الخلاق في [جميع] الأجسام على الدوام ، وهو العليم بحيث يصير
ما أعدم منها ، وذلك قوله: (قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ) أي: الأجسام منهم .