فصل
عددت ما جاء في القرآن العزيز من أشكالها في أوائل السور أربعة عشر
شكلًا ، وعدة السور التي فواتحها الحروف تسعة وعشرون سورة ، ولما تركبت في
منازلها ومراتبها بلغت ثمانية وسبعين حرفًا ، بل زادت على ذلك ، وقد تقدم ذكر
التوابع ، وأن فاتحة"الم"سبعة بلغت توابعها عشرة ، وعلى ذلك تكون التوابع إلى
منتهى ما بلغ إليه ما لم يُذكر من حروف المعجم في القرآن أربعة عشر ، وهي على
ما هي قد ينوب ما ذكر منها مكان ما لم يذكر ، فلو ذكرت كلها لكان القرآن شرح
والله أعلم ، ولو نقص من ذكر ما ذكره منها بعضها لكان أشد انغلاقًا وأبعد عن
الفهم ، والله أعلم .
والعرب كلها تنطق بجميع الحروف الثمانية والعشرين حرفًا ، فلو قصر الله جل
ذكره المرأة والأعرابي والضعيف وعامة العرب على وفاق لغة قريش لأعنتهم ذلك
أشد العنت ، وكذلك لو قصر جميع الأمم الداخلة في الإسلام من جميع العجم
على لغة العرب ، وإقامة مخارج حروفها وجميع شروط تلاوتها لكان ذلك تكليف
ما لا يطاق امتثاله ، وأما تنزيله من حيث هو مقتضى له فموجود في التلاوة ، مكنون
في الشرح (أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ) .
(فصل)
من الواجب أن تتبين معنى الهداية من تالي أم القرآن في قوله - جلَّ جلالُه -:( اهْدِنَا
الصراط المستَقيمَ )وكذلك هداية المؤمنين والمتقين في قوله جل
قوله: ( هدًى للمتَّقِينَ ) وبخاصة في حال الصلاة ، ليوقف على عظيم قدر
الصلاة والذكر ، وذلك أن العبد الموقن لما أوصله الله تبارك وتعالى وهو القريب
المجب الغفور الشكور إلى خطاب المواجهة قوله: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ)
أباح له - جلَّ جلالُه - السؤال بقول كريم غيب قوله:"ولعبدي ما سأل"وأنشأ
العبد يخاطبه مواجهة له بالخطاب ، وتقربًا إليه بإخلاص العبادة والتوجيه بها