الحمد لله الذي فضلنا بالقرآن على الأمم أجمعين، وأتانا به ما لم يؤت أحدا من العالمين، أنزله هداية عالمية دائمة، وجعله للشرائع السماوية خاتمة، ثم جعل له من نفسه حجة على الدهر قائمة. والصلاة و السلام على من كان خلقه القرآن، ووصيته القرآن، وميراثه القرآن، القائل:"خيركم من تعلم القرآن وعلمه"إمامنا الأعظم ورسولنا الأكرم محمد بن عبد الله، و على آله وأصحابه وأتباعه وأحبابه.
أما بعد:
فان القرآن الكريم هو آخر الكتب السماوية التي بعث الله بها عز و جل لهذا الإنسان ليبصر به طريق الحق، ويهتدي به في الظلمات، ويفوز- إذا عمل به-بسعادة الدنيا والآخرة، قال تعالى: {قد جاءكم من الله نور وكتاب مبين يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام و يخرجهم من الظلمات الى النور بإذنه ويهديهم إلى صراط مستقيم} المائدة 15 - 16.
ولئن كان القرآن الكريم بهذه المكانة العالية، فإن فهم معانيه وإدراك دلالاته لهو أيضا من الأهمية بمكان، ولهذا كان أول من عمل على تفسير القرآن للناس هو النبي صلى الله عليه و سلم الذي كلفه الله تعالى بذلك، فقال عز وجل: {وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون} النحل 44، ثم كلف الله تعالى بذلك العلماء؛ فقال عز وجل: {فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم اذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون} التوبة 122.
ومما تركه النبي صلى الله عليه وسلم في تفسير القرآن، ومما اُثر عن الصحابة رضوان الله عليهم، ثم من جهود العلماء بعدهم تحصل لنا إرث تفسيري ضخم للقرآن الكريم، تنوعت فيه مناهج المفسرين و اتجاهاتهم، واستفاد اللاحق منهم في ذلك بالسابق.
ومن المناهج الجديدة التي ظهرت في تفسير القرآن الكريم"التفسيرالموضوعي"،وسنتحدث عنه من خلال العناصر التالية:
يُعرف السيد محمد باقر الصدر التفسير الموضوعي أو ما يسميه ب"الدراسة الموضوعية"بقوله:"إنما الدراسة الموضوعية هي التي تطرح موضوعا من موضوعات الحياة العقائدية أو الاجتماعية أو الكونية، وتتجه إلى درسه وتقييمه من زاوية قرآنية للخروج بنظرية قرآنية بصدده" [1] .
-ويعرفه الدكتور مصطفى مسلم بالقول:"هو علم يتناول القضايا حسب المقاصد القرآنية من خلال سورة أو أكثر" [2] .
-في حين يعرفه الدكتور يوسف القرضاوي بالقول:"هو جمع للآيات الواردة في الموضوع في مختلف سور القرآن، ثم تصنيفها والاستنباط منها أو التعقيب عليها" [3]
(1) -مقدمات في التفسير الموضوعي، السيد محمد باقر الصدر، ص 17.
(2) -مباحث في التفسير الموضوعي، د. مصطفى مسلم، ص 16.
(3) -الصبر في القرآن الكريم، د يوسف القرضاوي، ص 6.