الصفحة 3 من 10

وهذه التعاريف الثلاثة وغيرها كلها تعاريف متقاربة، وتشترك في أن التفسير الموضوعي هو: تناول مختلف المواضيع القرآنية من خلال منهج معين للخروج بتصور قرآني لها.

ثانيا: نشأة التفسير الموضوعي

لم يظهر هذا المصطلح علَما على علم معين إلا في القرن الرابع عشر الهجري، عندما قُررت هذه المادة ضمن مواد قسم التفسير بكلية أصول الدين بالجامع الأزهر، إلا أن لبنات هذا اللون من التفسير كانت موجودة منذ عهد النبوة وفيما بعدها. ويمكننا إجمال معالم هذا التفسير في السابق فيما يلي:

أ-تفسير القرآن بالقرآن: إن من مزايا الأسلوب القرآني أنه لم يسق المواضيع التي تطرق إليها منظمة في تسلسل وفق أبواب و فصول ومباحث ومطالب-كما هو الشأن في المؤلفات العلمية والمدونات القانونية- و إنما نثرها نثرا بين ثنايا السورة الواحدة أو السور المتعددة، و ذلك من غير أن يفقد وحدته العضوية. ولهذا كان لا مندوحة للمفسر لآية معينة من كتاب الله عز و جل أن يبحث تفسيرها أولا من خلال آية قرآنية أخرى تجلي معناها.

ويعتبر تفسير القرآن بالقرآن أبرز ألوان التفسير التي عمل بها النبي صلى الله عليه وسلم، و ربى عليها الصحابة الكرام، فقد روى البخاري [1] أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فسر مفاتح الغيب في قوله تعالى: {وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو} الأنعام، 59، فقال: ?مفاتح الغيب خمسة: {إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وماتدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير} لقمان?34. وقد سار الصحابة على هذا النهج اذ كانوا يجمعون الآيات القرآنية التي يُظن بها بعض التعارض أو بعض الأمور التي يشق عليهم فهمها وتختلف عليهم.

ويعتبر تفسير القرآن بالقرآن أصح و أعلى أنواع تفسير القرآن بإطلاق إذ ?ما أُجمل في مكان فإنه قد فُسر في موضع آخر، وما اختُصر في مكان فقد بُسط في موضع آخر? [2] .

وهكذا فإننا نجد أن تفسير القرآن بالقرآن -وهو لب التفسير الموضوعي وعماده- موجود منذ نزول القرآن الكريم، وقد اعتُمد بصفة كبيرة من العلماء والمفسرين.

ب- الاتجاه الموضوعي في الفقه: دأب العلماء في كتبهم على جمع الآيات ذات الموضوع الفقهي الواحد، ثم استنباط الأحكام الخاصة بها. فكانت الكتب الفقهية ذات أبواب معلومة كالطهارة والصلاة و الزكاة وغيرها ... و بهذا ساد هذا الاتجاه الموضوعي التوحيدي جل البحوث الفقهية؛ فكان الفقهاء -بذلك- رواد تطبيق هذا المنهج.

ج-الأشباه والنظائر: ظهرت مؤلفات كثيرة تُعنى بذكر الكلمات القرآنية التي اتحدت في اللفظ واختلفت دلالاتها حسب السياق في الآية الكريمة، فكان المؤلفون يجمعون الكلمة بذاتها أو على صورة إحدى مشتقاتها ثم يحيطون بتفاسير آياتها محاولين استنباط دلالات تلك الكلمة القرآنية من خلال استعمال القرآن لها دون أن ينبني على ذلك الاستنباط الدلالي هدايات أو توجيهات قرآنية معينة، وإنما تدور هذه الطريقة في إطار دلالة الكلمة في موضعها المفرد فحسب.

وأول من بدأ التأليف في ذلك مقاتل بن سليمان (ت 150 ه) بكتابه ?الأشباه والنظائر في القرآن?، ثم تلته مصنفات تشابهه وتزيد عليه احيانا، منها كتاب ?التصاريف? ليحيى بن سلام (ت 200 ه) ، وكتاب ?الأشباه والنظائر? للثعالبي (ت 429 ه) ، وكتاب ?إصلاح الوجوه والنظائر? للدامغاني (ت 478 ه) ؛ حيث

(1) - صحيح البخاري، كتاب التفسير، باب: وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو.

(2) -مقدمة في أصول التفسير، ابن تيمية، ص 39

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت