سنّت تشريعًا يقضي بوضع ضوابط لعمليات التشفير، ومنها ضرورة الحصول على ترخيص من الجهات المعنية، إلى جانب إيداع مفاتيح التشفير لدى هذه الجهات.
وكذلك فعلت فرنسا الشيء ذاته، ومن شأن الإقدام على هذا التشفير بدون ترخيص أن يصبح الفعل جريمة يعاقب عليها القانون، وأيضًا معاقبة الشخص الذي أعد برنامج التشفير بدون ترخيص [1] .
فضلًا عما تقدم، فإن الوصول إلى الدليل الرقمي تعترضه عقبة أخرى تكمن في أن الجناة المتمرسين يجتهدون في إخفاء هويّاتهم للحيلولة دون تعقبهم أو كشف أمرهم، بحيث تظل أنشطتهم مجهولة وبمنأى عن علم السلطات المعنية بمكافحة الجريمة. ومن الأمثلة التي تُساق على ذلك استخدام الجاني حاسبًا آخر غير حاسبه الشخصي، كاستخدام الحواسيب الموجودة بالأماكن العامة، أو اللجوء إلى مقاهي الإنترنت، على اعتبار أن جل هذه المقاهي لا تقوم بتسجيل أسماء مرتاديها أو التحقق من هوياتهم، لاسيما إذا علمنا أن شبكة الإنترنت تتيح لمستخدميها استعمال الخط الواحد من أكثر من شخص في آن معًا، ما يجعل المراقبة والتعقب للمشتبه فيه أمرًا ينطوي على صعوبة وغير ميسور في كثير من الأحيان. وربّما تتعقد المسألة أكثر عند استخدام الإنترنت اللاسلكي [2] ، الذي هو آخذ في الانتشار في أيامنا هذه على حساب الإنترنت السلكي.
يضاف إلى ذلك كله تضاؤل خبرة أجهزة العدالة الجنائية من مأموري ضبط وسلطة تحقيق ومحاكمة؛ إذ يفتقر هؤلاء إلى التأهيل الكافي في هذا الميدان التقني. وهذا يزيد من صعوبة وصولهم إلى الدليل الرقمي وكيفية ضبطه والمحافظة عليه. فنقص الخبرة لدى هؤلاء قد يفضي إلى تدمير الدليل وإتلافه؛ على اعتبار أن جهلهم بأساليب ارتكاب الجرائم المعلوماتية يجعلهم في كثير من الأحيان يقعون في أخطاء من شأنها أن تؤدي إلى محو الأدلة الرقمية أو تدميرها؛ مثل إتلاف محتويات الأقراص الممغنطة وأوعية المعلومات التي تُخزَّن بها البيانات [3] . ذلك أن كشف هذه الجرائم يقتضي أن تكون الأجهزة المعنية على دراية كافية بأساسيات التعامل مع هذه الجرائم وكيفية تقصّيها وضبطها وصولًا إلى مرتكبيها، ما يعني ضرورة تلقّي هؤلاء دورات تدريبية بشأن استراتيجية التحقيق والاستدلال عن هذه الجرائم؛ إذ بدون ذلك لا يمكنهم مواجهة أساليب الجناة المعقدة التي يتوسّلون بها عادة لارتكاب
(1) ـ أ. عطية عثمان محمد بوحويش، حجية الدليل الرقمي في إثبات جرائم المعلوماتية، رسالة التخصص العالي (الماجستير) ، مقدمة إلى أكاديمية الدراسات العليا/فرع بنغازي، للعام الجامعي 2009، ص 70.
(2) ـ د. هلالي عبداللاه أحمد، الجوانب الموضوعية والإجرائية لجرائم المعلوماتية (على ضوء اتفاقية بودابست الموقعة في 23 نوفمبر 2001) ، الطبعة الأولى، دار النهضة العربية ـ القاهرة، 2006، ص 160؛ د. عبدالفتاح بيومي حجازي، الدليل الجنائي والتزوير في جرائم الكمبيوتر والإنترنت، دار الكتب القانونية، 2002.
(3) ـ انظر: د. جميل عبدالباقي الصغير، أدلة الإثبات الجنائي والتكنولوجيا الحديثة، ص 115.