الصفحة 23 من 25

في أن الأخذ به يفضي في نهاية المطاف إلى عدم تجريم الشروع إذا لم تتحقق النتيجة، وكذلك عدم العقاب على ما يُعرف بالسلوك المجرد (جرائم السلوك المجرد) .

أمام الانتقادات التي تعرض لها كلا الاتجاهين السابقين، برز اتجاه ثالث مفاده أن الجريمة تعد واقعة في مكان حصول النشاط (العمل التنفيذي) ، وكذلك المكان الذي تحققت فيه النتيجة أو الذي من المتوقع أو من المنتظر تحققها فيه. وهذا الاتجاه حظي بمباركة أغلب الفقه، ويجد مبرره في أن الركن المادي للجريمة يقوم على ثلاثة عناصر، وهي الفعل (النشاط) ، والنتيجة، وعلاقة السببية، ما يعني أن الجريمة تعد واقعة في كل مكان تحقق فيه عنصر من عناصر الركن المادي، أي في مكان النشاط ومكان النتيجة على حد سواء.

وهذا الاتجاه أخذت به بعض التشريعات المقارنة، ومنها قانون العقوبات النرويجي وكذلك الدنمركي، والصيني والألماني والإيطالي لسنة 1930. كما تبنته المحاكم في بعض الدول ومنها فرنسا في عدد من الأحكام؛ إذ ذهبت إلى أن اختصاصها يتسع ليشمل كل الأمكنة التي كانت مسرحًا للجريمة عند وقوعها.

فقد قضي بأن المحكمة تعتبر مختصة بالدعوى الناشئة عن جريمة إصدار صك دون مقابل الوفاء فيما يخص صكًا كان محررًا خارج فرنسا ومسحوبًا على أحد البنوك فيها [1] .

وتكرر ذلك في واقعة أخرى عرضت على القضاء المذكور يقر فيها باختصاصه بصدد جريمة نصب متى ارتُكِبت أفعال النصب (الطرق الاحتيالية) أو تسليم النقود على الإقليم الفرنسي.

وتأسيسًا على هذا المذهب، لو عمد أحدهم إلى قتل آخر فأطلق النار من الأراضي المصرية تجاه المجني عليه الموجود على الأراضي الليبية ثم أُسعِف المصاب إلى دولة ثالثة (ولتكن إيطاليا مثلًا) لتلقّي العلاج، وتوفي هناك، فإن الاختصاص ينعقد وفقًا للاتجاه السابق لكل من القانون المصري والليبي على حد سواء، على اعتبار أن المجني عليه كان موجودًا على إقليمها وقت مباشرة النشاط، ومن ثَم فهذا المكان الذي اختاره لتنفيذ جريمته هو الذي ينبغي الاعتداد به، وبالتالي يتحدد القانون الواجب التطبيق على أساسه.

وهنا، يتم تغليب قانون محل تحقق النتيجة إذا كانت الجريمة تامة، ومن

(1) ـ في حين أن محكمة النقض المصرية قضت في واقعة مماثلة بعدم اختصاصها في قضية إعطاء صك في مدينة جدة (السعودية) وكان مسحوبًا على بنك مصر، وثبت أنه لا يقابله رصيد. وقد جاء في تبريرها لحكمها هذا بأن جريمة إصدار صك بدون رصيد قد توافرت أركانها في مكان حصول الإعطاء للمستفيد، ولو كان البنك المسحوب عليه في مصر [نقض 17 ـ 12 ـ 1962، مج أحكام النقض، س 13، العدد (3) ، رقم 204، طعن رقم 2011/س 32 ق، ص 846] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت