جرائمهم. فهذه المتطلبات تفتقر إليها الأجهزة المذكورة، لاسيما في الدول النامية، ما يجعل دورها في كشف هذه الجرائم ومكافحتها محدودًا للغاية، وغالبًا يكون مآل الجهود التي تبذلها في هذا المجال الفشل والإخفاق.
كذلك من العقبات التي تعيق عمل الأجهزة المذكورة ـ حتى على فرض أنه تم إعدادها الإعداد المناسب لهذه المهمة ـ ضخامة حجم البيانات محل الفحص ما يتعذّر معه على المحققين الأكفاء الوصول إلى الدليل [1] .
فمن الناحية العملية يواجه المحققون تحديات كبيرة في فحص جميع البيانات؛ فذلك أمر مكلف ويستغرق في العادة وقتًا طويلًا، وكثيرًا ما يؤدي بالنهاية إلى جعل المحققين ورجال الأمن يضجرون وقد يصرفون النظر عن مواصلة البحث لاقتناعهم بأنه لا جدوى من ذلك، وينظرون إليه على أنه جهد ضائع وغير مثمر.
فكما هو معلوم، تتميز الحواسيب ـ على اختلاف فيما بينها ـ بقدرتها الهائلة على تخزين البيانات بما يوازي مئات الألوف من الصفحات الورقية، وهذا يعني ببساطة أنه لو عنّ للأجهزة الضبطية مثلًا طباعة محتويات أحد الأقراص الصلبة، فإن ذلك يتطلب كميات هائلة من الورق، وقد تكون النتيجة ـ رغم هذا الجهد ـ سلبية بحيث لا يمكنها كشف الدليل المراد ضبطه أو تحصيله، وهذا مردّه في المقام الأول عدم وجود آلية للفرز الذاتي للملفات المخزنة، حتى يمكن الوقوف على الملفات غير المشروعة وضبطها، ومن هنا فالأمر جدّ مرهق، بل وغير مجدٍ في كثير من الأحيان؛ لما يستغرقه من وقت لا طائل منه، ما يجعل القضاء لا يكترث بالدليل الرقمي، ولا يعوّل عليه كثيرًا لافتقاره إلى الصدقية التي تجعله جديرًا بالثقة، وإذا كان هذا حال الدول المتقدمة، فما بالك بالدول النامية التي لاتزال تفتقر إلى الكفاءات اللازمة في هذا الحقل التقني؟
وفي واقع الأمر أن المسألة تزداد تعقيدًا، حينما يكون محل البحث هو الشبكة المعلوماتية (الإنترنت) بخصوص الجرائم عبر الوطنية موضوع هذه الورقة؛ إذ يصبح ضبط الدليل والبحث عنه أمرًا في غاية الصعوبة، إن لم يكن مستحيلًا أحيانًا، على اعتبار أن التفتيش والضبط في هذه البيئة الافتراضية يتطلب أن يتم خارج حدود الدول وفي نطاق دولة أخرى [2] ، ما يتطلب الحصول على إذن مسبق بذلك من سلطاتها؛ لما ينطوي عليه من مساس بسيادة هذه الدولة، ناهيك عما يسفر عنه البحث من انتهاك لخصوصية الآخرين ممن تتعلق بهم البيانات أو المعلومات موضوع الضبط أو التفتيش.
(1) ـ أسامة المناعسة وآخرون، ص 291؛ د. هشام رستم، ص 24؛ عطية بوحويش، ص 71 ـ 72؛ د. عمر محمد بن يونس، الإجراءات الجنائية عبر الإنترنت في القانون الأمريكي، ص 26؛ رسالته حول: الجرائم الناشئة عن استخدام الإنترنت، ص 985.
(2) ـ د. جميل الصغير، أدلة الإثبات الجنائي والتكنولوجيا الحديثة، ص 115؛ عطية بوحويش، ص 73 وما بعدها.