الإشكاليات الإجرائية التي تثيرها
الجريمة المعلوماتية عبر الوطنية
•أ. د. موسى مسعود ارحومة
كلية القانون ـ جامعة قاريونس
بالرغم من المزايا الهائلة التي تحققت وتتحقق كل يوم بفضل تقنية المعلومات على جميع الصّعد وفي شتّى ميادين الحياة المعاصرة [1] ، فإن هذه الثورة التكنولوجية المتنامية صاحبتها في المقابل جملة من الانعكاسات السلبية الخطيرة جراء سوء استخدام هذه التقنية المتطورة والانحراف عن الأغراض المتوخاة منها، تبدّت في تفشي طائفة من الظواهر الإجرامية المستحدثة، ألا وهي ظاهرة الجرائم المعلوماتية [2] . ليس هذا فحسب، بل سهّلت هذه التقنية ارتكاب بعض الجرائم التقليدية. وقد ازدادت هذه المخاطر تفاقمًا في ظل البيئة الافتراضية التي تمثلها شبكة المعلومات الدولية (الإنترنت) واسعة الانتشار، ما أفرز نوعًا جديدًا من الجرائم لم يكن معهودًا من قبل ممثلًا في الجرائم عبر الوطنية Transnational Crimes ، التي يتخطى مداها حدود الدول بل والقارات، ولم يعد خطرها أو آثارها محصورة في النطاق الإقليمي لدولة بعينها، الأمر الذي بات يثير بعض التحديات القانونية والعملية أمام الأجهزة المعنية بمكافحة الجريمة (أجهزة العدالة الجنائية بجميع مستوياتها وعلى اختلاف أدوارها) [3] ، وبالذات فيما يخص إثبات هذه الجرائم، وآلية مباشرة إجراءات الاستدلال والتحقيق عبر البيئة الافتراضية لتعقّب المجرمين وتقديمهم للعدالة؛ ذلك أن ملاحقة الجناة وكشف جرائمهم عبر الحدود يقتضي من الناحية العملية أن يتم في نطاق إقليم دولة أخرى، وهو ما يصطدم بمبدأ السيادة الإقليمية للدول عملًا بمبدأ إقليمية القانون الجنائي، الذي يفضي إلى تنازع الاختصاص القضائي بسبب صعوبة تحديد مكان وقوع الجريمة المعلوماتية عبر الوطنية.
ومن ثَم كان لابدّ ـ والأمر كذلك ـ من البحث عن حلول مناسبة لهذه الإشكاليات تتوافق مع طبيعة هذه الجرائم المستحدثة فيما يخص قبول الدليل الرقمي ومباشرة بعض إجراءات التحقيق عبر الفضاء المعلوماتي وكذلك تحديد معايير
(1) ـ انظر بحثنا حول: السياسة الجنائية في مواجهة جرائم الإنترنت، مجلة دراسات قانونية (منشورات جامعة قاريونس) ، العدد (17) ، ص 80؛
د. جميل عبدالباقي الصغير، القانون الجنائي والتكنولوجيا الحديثة، الكتاب الأول: الجرائم الناشئة عن استخدام الحاسب الآلي، دار النهضة العربية ـ القاهرة، 1992، ص 4 ـ 5؛ د. محمد سامي الشوا، ثورة المعلومات وانعكاساتها على قانون العقوبات، الطبعة الثانية، دار النهضة العربية ـ القاهرة، 1998، ص 3؛ عبدالله العلوي البلغيثي:"الإجرام المعاصر ـ أسبابه وأساليب مواجهته"، ورقة مقدمة ضمن أشغال المناظرة الوطنية حول (السياسة الجنائية بالمغرب: واقع وآفاق) ، التي نظمتها وزارة العدل بمكناس خلال الفترة من 9 ـ 11 دجنبر (ديسمبر) 2004، المجلد الأول، (الأعمال التحضيرية) ، الطبعة الثانية، منشورات جمعية نشر المعلومة القانونية والقضائية، سلسلة الندوات والأيام الدراسية، العدد (3) ، 2004، ص 222.
(2) ـ انظر: د. ذياب البداينة، المنظور الاقتصادي والتقني والجريمة المنظمة، ضمن أبحاث حلقة علمية حول الجريمة المنظمة وأساليب مكافحتها، التي نظمتها أكاديمية نايف العربية للعلوم الأمنية، 14 ـ 18 نوفمبر 1998، مركز الدراسات والبحوث ـ الرياض، 1999، ص 209 وما بعدها؛ كذلك انظر بالخصوص بحثنا السابق، ص 81؛ بحثنا الموسوم بـ (الإرهاب والإنترنت) ، مقدم إلى المؤتمر الدولي لجامعة الحسين بن طلال بعنوان: الإرهاب في العصر الرقمي، المنعقد بمدينة معان ـ الأردن، خلال الفترة 10 ـ 13/ 7/2008، ص 1 وما يليها؛ د. جميل الصغير، المرجع السابق، ص 5 وما بعدها؛ لواء دكتور/حسنين المحمودي بوادي، إرهاب الإنترنت ـ الخطر القادم، الطبعة الأولى، دار الفكر العربي ـ الإسكندرية، 2006، ص 49 وما بعدها؛ محمد أمين الرومي، جرائم الكمبيوتر والإنترنت، دار المطبوعات الجامعية ـ الإسكندرية، 2004، ص 7.
(3) ـ انظر: بحثنا السابق بعنوان: السياسة الجنائية في مواجهة جرائم الإنترنت، ص 90، 91؛ د. محمد سامي الشوا، ص 87؛ د. حسين بن سعيد بن سيف الغافري، الجهود الدولية في مواجهة جرائم الإنترنت، على الرابط:
د. عمر محمد بن يونس، الجرائم الناشئة عن استخدام الإنترنت، الطبعة الأولى، دار النهضة العربية ... ـ القاهرة، 2004، ص 785 وما بعدها؛ د. هشام محمد فريد رستم، الجوانب الإجرائية للجرائم المعلوماتية ... ـ دراسة مقارنة، مكتبة الآلات الحديثة ـ أسيوط، 1994، ص 5 وما يليها؛ نبيلة هبة هروال، الجوانب الإجرائية لجرائم الإنترنت في مرحلة جمع الاستدلالات ـ دراسة مقارنة، (رسالة ماجستير) ، دار الفكر الجامعي ـ الإسكندرية، ص 35 وما بعدها.