أسماء الله الحسنى [2]


الحلقة مفرغة

بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على من بعث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه، ومن اهتدى بهديه، واستن بسنته إلى يوم الدين.

أما بعد:

فقد وصف الله نفسه بقوله: هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ[الحشر:22]، وهما صفتا مبالغة من الرحمة، وقد كتب الله الرحمة على نفسه وأمر بها عباده، واشتق لنفسه اسمين منها، وهما: الرحمن، والرحيم.

صفة الرحمن والرحيم والفرق بينهما

فالرحمن: ذو الرحمة العامة بجميع الخلائق في الدنيا حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها، والرحيم: ذو الرحمة الخاصة بالمؤمنين في الآخرة، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة، فادخر عنده تسعًا وتسعين رحمة لعباده المؤمنين في الجنة، وأنزل رحمة واحدة في الدنيا، فبها يتراحم الخلائق فيما بينهم حتى ترفع الدابة عن ولدها)، رحمة واحدة في الدنيا، يتراحم بها الخلائق جميعًا فيما بينهم، حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها، الدابة التي تلد ولدها في الليلة الظلماء في الخلاء، ولم تمسها يد، ولم تؤدب بأي نوع من الأدب ترفع حافرها عن ولدها وتدافع عنه، فهذا من رحمة الله سبحانه وتعالى الشاملة.

وهو الرحمن الرحيم، وثناؤه على نفسه بذلك يقتضي أنه سبحانه وتعالى يبتدئ الناس بالخير قبل المسألة، ويلهمهم المسألة ... إذا سألوه، وأنه سبحانه وتعالى غني عن عباده وعما في أيديهم وعما آتاهم، قد رحمهم برحمته حين خلقهم ورزقهم، ولو قابلهم بسيء أعمالهم وبما يستحقون، لما استحقوا شيئًا من جزائه ولا من رحمته، ولما نالوا ما هم فهي من خيراته، وقد قال الله تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوهَا[إبراهيم:34]، وقال تعالى: وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ[النحل:53]، ورحمة الله هذه واسعة جدًا، كما قال تعالى: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ[الأعراف:156].

آثار رحمة الله سبحانه وتعالى

وهذه الرحمة من آثارها الليل والنهار، والشمس والقمر، والمطر والنبات كل ذلك من آثار رحمة واحدة.

فالليل الذي يستريح فيه الناس عن العمل، وينامون فيه، وقد جعل الله النوم سباتًا لأبدانهم، وراحة لها، والنهار الذي فيه الضياء للعمل ويعملون فيه وينتجون كلاهما من رحمة الله، كما قال تعالى: وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ[القصص:73]، ((لِتَسْكُنُوا فِيهِ)) راجع إلى الليل، و((وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ)) راجع إلى النهار، وكذلك المطر، كما قال الله تعالى: فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللهِ كَيْفَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ المَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[الروم:50].

عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ[الحشر:22]، أثنى على نفسه إذاً بصفة الرحمة وهي من صفات الله تعالى التي هي للتعلق والتخلق، فصفات الله عز وجل منها ما هو للتعلق لا للتخلق كالصمد، الجبار، المهيمن، المتكبر، فهذه الصفات للتعلق يسأل الله بها، لكن لا يتخلق بها، أي: لا يمكن أن يشرع للبشر أن يتخلقوا بها.

ومنها ما هو للتعلق والتخلق كصفتي: الرحمن الرحيم. الرحمة صفة مطلوبة في البشر، فلذلك يتخلقون ويتعلقون بهذه الصفة، وقد كتبها الله على نفسه وشرعها لعباده، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( من لا يَرحم لا يُرحم)، وقال: (الراحمون يرحمهم الرحمن)، (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء).

فالرحمن: ذو الرحمة العامة بجميع الخلائق في الدنيا حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها، والرحيم: ذو الرحمة الخاصة بالمؤمنين في الآخرة، وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله خلق الرحمة يوم خلقها مائة رحمة، فادخر عنده تسعًا وتسعين رحمة لعباده المؤمنين في الجنة، وأنزل رحمة واحدة في الدنيا، فبها يتراحم الخلائق فيما بينهم حتى ترفع الدابة عن ولدها)، رحمة واحدة في الدنيا، يتراحم بها الخلائق جميعًا فيما بينهم، حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها، الدابة التي تلد ولدها في الليلة الظلماء في الخلاء، ولم تمسها يد، ولم تؤدب بأي نوع من الأدب ترفع حافرها عن ولدها وتدافع عنه، فهذا من رحمة الله سبحانه وتعالى الشاملة.

وهو الرحمن الرحيم، وثناؤه على نفسه بذلك يقتضي أنه سبحانه وتعالى يبتدئ الناس بالخير قبل المسألة، ويلهمهم المسألة ... إذا سألوه، وأنه سبحانه وتعالى غني عن عباده وعما في أيديهم وعما آتاهم، قد رحمهم برحمته حين خلقهم ورزقهم، ولو قابلهم بسيء أعمالهم وبما يستحقون، لما استحقوا شيئًا من جزائه ولا من رحمته، ولما نالوا ما هم فهي من خيراته، وقد قال الله تعالى: وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوهَا[إبراهيم:34]، وقال تعالى: وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ[النحل:53]، ورحمة الله هذه واسعة جدًا، كما قال تعالى: وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ[الأعراف:156].

وهذه الرحمة من آثارها الليل والنهار، والشمس والقمر، والمطر والنبات كل ذلك من آثار رحمة واحدة.

فالليل الذي يستريح فيه الناس عن العمل، وينامون فيه، وقد جعل الله النوم سباتًا لأبدانهم، وراحة لها، والنهار الذي فيه الضياء للعمل ويعملون فيه وينتجون كلاهما من رحمة الله، كما قال تعالى: وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ[القصص:73]، ((لِتَسْكُنُوا فِيهِ)) راجع إلى الليل، و((وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ)) راجع إلى النهار، وكذلك المطر، كما قال الله تعالى: فَانظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَةِ اللهِ كَيْفَ يُحْيِ الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ المَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[الروم:50].

عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ[الحشر:22]، أثنى على نفسه إذاً بصفة الرحمة وهي من صفات الله تعالى التي هي للتعلق والتخلق، فصفات الله عز وجل منها ما هو للتعلق لا للتخلق كالصمد، الجبار، المهيمن، المتكبر، فهذه الصفات للتعلق يسأل الله بها، لكن لا يتخلق بها، أي: لا يمكن أن يشرع للبشر أن يتخلقوا بها.

ومنها ما هو للتعلق والتخلق كصفتي: الرحمن الرحيم. الرحمة صفة مطلوبة في البشر، فلذلك يتخلقون ويتعلقون بهذه الصفة، وقد كتبها الله على نفسه وشرعها لعباده، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: ( من لا يَرحم لا يُرحم)، وقال: (الراحمون يرحمهم الرحمن)، (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء).

وهذه الرحمة على مستويين:

المستوى الأول لرحمة المؤمن

المستوى الأول: الرحمة بالمؤمنين، وهي الرقة لهم، والعطف على فقرائهم وضعفائهم وصغارهم، وكل المحتاجين منهم، فهذا حق من حقوق المؤمنين، كما قال الله تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ[الفتح:29]، وكما قال تعالى: فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ[المائدة:54]، وهذه الرحمة بهذا المستوى ليس للكفار منها نصيب؛ لأن الكفار في مقابل ذلك نصيبهم الغلظة كما قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ[التوبة:73]، وكما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً[التوبة:123].

المستوى الثاني للرحمة

أما المستوى الثاني: فهو شامل للكافر والمسلم، وهو الحرص على هداية الناس واستقامتهم وتحقيقهم لما خلقوا من أجله، فلا بد أن يحب المؤمن الإيمان لكل الخلائق؛ لأنه يحب لهم ما يحب لنفسه، حتى لو كانوا كفارًا يحب أن يهتدوا، ويحب أن يؤمنوا، ويحب أن يموتوا على الإيمان وحسن الخاتمة، ويحب أن يكونوا من أهل الجنة، ولا يرضى لهم الكفر بحال من الأحوال، وهذا هو الوارد فيما أخرج مالك في الموطأ و أحمد في الزهد عن يحيى بن سعيد : أنه بلغه أن عيسى بن مريم كان يقول: لا تكثروا الكلام في غير ذكر الله فتقسوا قلوبكم، فإن القلب القاسي بعيد من الله ولكن لا تعلمون، ولا تنظروا في ذنوب الناس كأنكم أرباب وانظروا في ذنوبكم كأنكم عبيد، وإنما الناس مبتلىً ومعافاً فارحموا أهل البلاء واحمدوا الله على العافية.

فارحموا أهل البلاء، فكل مبتلى من حقه هذا المستوى من مستويات الرحمة، وشر البلية البلاء في الدين، فشر بلاء هو البلاء في الدين، فلذلك إذا رأيت الكافر فكن حريصًا على هدايته رحمة به من عذاب الله، ترحمه أن يكبه الله على وجهه في النار، ولهذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم سمع أن شابًا من اليهود مريضاً فذهب إليه يعوده فوجده في السياق يجود بنفسه، فقال له: (أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله)، فرفع رأسه إلى أبيه يستأمره، فقال: قل ما أمرك به أبو القاسم، فقال: أشهد ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ومات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( الحمد لله الذي أنقذه بي من النار)، ثم قال لـسعد بن أبي وقاص وأصحابه: (خذوا صاحبكم، فأخذوه فغسلوه وصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ودفن في مقابر المسلمين)، فقد كان حريصًا على هداية الناس جميعًا.

وهذا المستوى بينه النبي صلى الله عليه وسلم في وظيفته فيما أخرج البخاري و مسلم في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد نارًا، حتى إذا أضاءت ما حوله جعل الفراش يتساقط فيها، وهذه الدواب، فجعل ينفي بيده وهن يقتحمن فيقعن فيها، ألا وإني ممسك بحجزكم عن النار)، فجعل الخلائق جميعًا بمثابة الفراش الذي يجتمع على ضوء النار فيتساقط فيها فيحترق، وجعل نفسه منذرًا يحول بين الناس وبين النار، فقال: (ألا إني ممسك بحجزكم )، أي: أحزمتكم عن النار، وهذه وظيفته، وعلى كل إنسان أن يشغلها ما استطاع أن يحاول أن يحول بين الناس وبين نار جنهم، فلا بد أن يجد كل إنسان منا في قلبه هذا النوع من الرحمة، يرحم الناس من عذاب الله، ويكره لهم الكفر، ويكره لهم المعصية، ويحب لهم الإيمان والهداية والاستقامة. فهذا هو المستوى الثاني من مستويات الرحمة، وقد قال أحد الحكماء:

ارحم بني جميع الخلق كلهم وانظر إليهم بعين الرفق والشفقة

وقر كبيرهم وارحم صغيرهم وراع في كل خلق حق من خلقه

فهم مخلوقون لله سبحانه وتعالى فلما كان هو خالقهم وهو رازقهم، كان لهم من الحق أنهم عباد لله، وأنه خلقهم، فلذلك قال: هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ[الحشر:22].

ثم بعد هذا كرر الاسم العظيم فقال: هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ[الحشر:23]، فأثنى على نفسه مرة أخرى باسمه هذا العظيم، باسم الجلالة، وبنفي الألوهية عمن سواه، وبإثبات الألوهية له.

المستوى الأول: الرحمة بالمؤمنين، وهي الرقة لهم، والعطف على فقرائهم وضعفائهم وصغارهم، وكل المحتاجين منهم، فهذا حق من حقوق المؤمنين، كما قال الله تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ[الفتح:29]، وكما قال تعالى: فَسَوْفَ يَأْتِي اللهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى المُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ[المائدة:54]، وهذه الرحمة بهذا المستوى ليس للكفار منها نصيب؛ لأن الكفار في مقابل ذلك نصيبهم الغلظة كما قال الله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ[التوبة:73]، وكما قال تعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً[التوبة:123].

أما المستوى الثاني: فهو شامل للكافر والمسلم، وهو الحرص على هداية الناس واستقامتهم وتحقيقهم لما خلقوا من أجله، فلا بد أن يحب المؤمن الإيمان لكل الخلائق؛ لأنه يحب لهم ما يحب لنفسه، حتى لو كانوا كفارًا يحب أن يهتدوا، ويحب أن يؤمنوا، ويحب أن يموتوا على الإيمان وحسن الخاتمة، ويحب أن يكونوا من أهل الجنة، ولا يرضى لهم الكفر بحال من الأحوال، وهذا هو الوارد فيما أخرج مالك في الموطأ و أحمد في الزهد عن يحيى بن سعيد : أنه بلغه أن عيسى بن مريم كان يقول: لا تكثروا الكلام في غير ذكر الله فتقسوا قلوبكم، فإن القلب القاسي بعيد من الله ولكن لا تعلمون، ولا تنظروا في ذنوب الناس كأنكم أرباب وانظروا في ذنوبكم كأنكم عبيد، وإنما الناس مبتلىً ومعافاً فارحموا أهل البلاء واحمدوا الله على العافية.

فارحموا أهل البلاء، فكل مبتلى من حقه هذا المستوى من مستويات الرحمة، وشر البلية البلاء في الدين، فشر بلاء هو البلاء في الدين، فلذلك إذا رأيت الكافر فكن حريصًا على هدايته رحمة به من عذاب الله، ترحمه أن يكبه الله على وجهه في النار، ولهذا فإن النبي صلى الله عليه وسلم سمع أن شابًا من اليهود مريضاً فذهب إليه يعوده فوجده في السياق يجود بنفسه، فقال له: (أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله)، فرفع رأسه إلى أبيه يستأمره، فقال: قل ما أمرك به أبو القاسم، فقال: أشهد ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ومات، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( الحمد لله الذي أنقذه بي من النار)، ثم قال لـسعد بن أبي وقاص وأصحابه: (خذوا صاحبكم، فأخذوه فغسلوه وصلى عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ودفن في مقابر المسلمين)، فقد كان حريصًا على هداية الناس جميعًا.

وهذا المستوى بينه النبي صلى الله عليه وسلم في وظيفته فيما أخرج البخاري و مسلم في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد نارًا، حتى إذا أضاءت ما حوله جعل الفراش يتساقط فيها، وهذه الدواب، فجعل ينفي بيده وهن يقتحمن فيقعن فيها، ألا وإني ممسك بحجزكم عن النار)، فجعل الخلائق جميعًا بمثابة الفراش الذي يجتمع على ضوء النار فيتساقط فيها فيحترق، وجعل نفسه منذرًا يحول بين الناس وبين النار، فقال: (ألا إني ممسك بحجزكم )، أي: أحزمتكم عن النار، وهذه وظيفته، وعلى كل إنسان أن يشغلها ما استطاع أن يحاول أن يحول بين الناس وبين نار جنهم، فلا بد أن يجد كل إنسان منا في قلبه هذا النوع من الرحمة، يرحم الناس من عذاب الله، ويكره لهم الكفر، ويكره لهم المعصية، ويحب لهم الإيمان والهداية والاستقامة. فهذا هو المستوى الثاني من مستويات الرحمة، وقد قال أحد الحكماء:

ارحم بني جميع الخلق كلهم وانظر إليهم بعين الرفق والشفقة

وقر كبيرهم وارحم صغيرهم وراع في كل خلق حق من خلقه

فهم مخلوقون لله سبحانه وتعالى فلما كان هو خالقهم وهو رازقهم، كان لهم من الحق أنهم عباد لله، وأنه خلقهم، فلذلك قال: هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ[الحشر:22].

ثم بعد هذا كرر الاسم العظيم فقال: هُوَ اللهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ[الحشر:23]، فأثنى على نفسه مرة أخرى باسمه هذا العظيم، باسم الجلالة، وبنفي الألوهية عمن سواه، وبإثبات الألوهية له.

ثم بعد ذلك قال: المَلِكُ الْقُدُّوسُ[الحشر:23]، والملك هو المتصف بالملك، والملك هو السلطان والقهر والجبروت، فالله سبحانه وتعالى: هو ذو السلطان الذي لا معقب لحكمه، فالسماوات السبع والأرضون السبع في قبضة يمينه، والقلوب كلها بين إصبعين من أصابعه، قلوب المؤمنين والكفار والأبرار والفجار، كلها بين إصبعين من أصابعه يقلبها كيف يشاء، والأرواح كلها بيده متى شاء أخذها، ولذلك كانت يمين رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا والذي نفس محمد بيده)، فنفس الإنسان بيد الله متى شاء أخذها؛ ولذلك لا بد أن يُعلم: أن ملك الله سبحانه وتعالى شامل لجميع الخلائق عام في جمعيها، فالكفار لا يستطيعون التعقيب لحكمه، ما حكم به عليهم من الموت، إذا قال لأحدهم: مت، لا يستطيع أن يتأخر: فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ[الأعراف:34]، فهذا هو القهر، وقد قهر العباد بالموت، فهو القهار، قهر العباد بالموت كما في الحديث.

وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إن الله عز وجل يأخذ السماوات السبع والأرضين السبع يوم القيامة فيقبضهن فيهزهن ويقول: أنا الملك أين الجبارون، أين المتكبرون؟ )، وهذا الملك يقتضي نفاذ حكمه في جميع الخلائق، فلا يقع في الكون إلا ما أراد، ولا يحتاج فيه إلى علاج بل إنما يأمر، وأمره هو أن يقول: كن فيكون، ما أراد بين الكاف والنون، كما قال تعالى: إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ[آل عمران:59]، وكما قال تعالى: إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ[النحل:40]، وكما قال تعالى: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ[يس:82]، فكل ذلك من تمام ملكه وقهره للعباد جميعًا، وهذا القهر كذلك يشمل الجمادات والأحياء والخلائق جميعًا كما قال الله تعالى: قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ * فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا[فصلت:9-12]، فالكل من ملكه سبحانه وتعالى الذي لا يمكن التعقيب له.

الفرق بين الملك بالضم والكسر

وهذا الـمُلك الفرق بينه وبين الـمِلك: أن المِلك معناه: الاختصاص، والـمُلك: معناه السلطان، فتقول: هذا مِلك فلان، ولا تقول: في مُلك فلان إلا إذا كان مَلكًا.

فالـمُلك معناه: السلطان، أما المِلك بالكسر، فهو الحوز والاختصاص الخاص، تقول: ملكت هذه الدار مِلكًا، وملك فلان الحكم في البلاد الفلاني مُلكًا، فالـمُلك مُلك السلطان، والـمِلك بالكسر للاختصاص والحوز، فالله سبحانه وتعالى وصف نفسه بأنه الملك، وهو الذي أذل الجبابرة جميعًا بالموت، وقهر العباد بها، ولذلك فكل تدبير في هذا الكون كتصريف الرياح، وتقليب أهواء الرجال، وتقليب المصالح، كل ذلك من ملكه سبحانه وتعالى.

وكان علي رضي الله عنه إذا رأى الهلال طالعًا، يقول: أيها الخلق المتردد في منازل التقدير، والمتصرف في فلك التدبير، آمنت بمن نور بك الظلم، وأسفر بك البهم، وجعلك آية من آيات وحدانيته، وعلامة من علامات سلطانه، وامتحنك بالزيادة والنقصان والطلوع والأفول، والإنارة والكسوف، وفي كل ذلك أنت له مطيع، وإلى أمره سريع، فسبحان الذي خلقك وخلقني، وقدرك منازل.

فهذا تدبير الله سبحانه وتعالى في الكون، وكل الخلائق ناصيتها بيد الله سبحانه وتعالى مطيعة لأمره.

.. فحتى لو كانت في الظاهر تنكر وجوده ولا تقر بربوبيته فهي في الباطن مقهورة بملكه، فلذ لك هو الملك.

وهذا الـمُلك الفرق بينه وبين الـمِلك: أن المِلك معناه: الاختصاص، والـمُلك: معناه السلطان، فتقول: هذا مِلك فلان، ولا تقول: في مُلك فلان إلا إذا كان مَلكًا.

فالـمُلك معناه: السلطان، أما المِلك بالكسر، فهو الحوز والاختصاص الخاص، تقول: ملكت هذه الدار مِلكًا، وملك فلان الحكم في البلاد الفلاني مُلكًا، فالـمُلك مُلك السلطان، والـمِلك بالكسر للاختصاص والحوز، فالله سبحانه وتعالى وصف نفسه بأنه الملك، وهو الذي أذل الجبابرة جميعًا بالموت، وقهر العباد بها، ولذلك فكل تدبير في هذا الكون كتصريف الرياح، وتقليب أهواء الرجال، وتقليب المصالح، كل ذلك من ملكه سبحانه وتعالى.

وكان علي رضي الله عنه إذا رأى الهلال طالعًا، يقول: أيها الخلق المتردد في منازل التقدير، والمتصرف في فلك التدبير، آمنت بمن نور بك الظلم، وأسفر بك البهم، وجعلك آية من آيات وحدانيته، وعلامة من علامات سلطانه، وامتحنك بالزيادة والنقصان والطلوع والأفول، والإنارة والكسوف، وفي كل ذلك أنت له مطيع، وإلى أمره سريع، فسبحان الذي خلقك وخلقني، وقدرك منازل.

فهذا تدبير الله سبحانه وتعالى في الكون، وكل الخلائق ناصيتها بيد الله سبحانه وتعالى مطيعة لأمره.

.. فحتى لو كانت في الظاهر تنكر وجوده ولا تقر بربوبيته فهي في الباطن مقهورة بملكه، فلذ لك هو الملك.

ثم بعد هذا قال: المَلِكُ الْقُدُّوسُ[الحشر:23] وصف نفسه بهذا الاسم العظيم، المتضمن صفة عظيمة من صفات الله سبحانه وتعالى: فالقدوس معناه: المتطهر من جميع العيوب والنقص، فهو منزه عن جميع العيوب والنقائص، لا يمكن أن تأخذه سنة ولا نوم، ولا أن يتصف بفقر ولا فاقة، ولا أن يعروه أي نقص مما يعرو عباده الخلائق المقهورين، فهو القدوس المنزه عن كل ذلك، وفسرت أيضًا بأن معناها: المقدس، أي: المشرف من شاء من خلقه، المطهر لهم بالإيمان، والتقوى، فهو يقدس من شاء أن يطهره بالإيمان والتقوى: المَلِكُ الْقُدُّوسُ[الحشر:23].

السَّلامُ[الحشر:23] أي: المتصف بصفة السلام، وهذا اسم من أسمائه سبحانه وتعالى وهو يدل كذلك على صفة الأمان، فهو المؤمن من شاء ولا عاصم من الله إلا إليه، ولا ملجأ من الله إلا إليه، وإنما يسلم من سلمه الله، ومن لم يسلمه الله فلا منجي له كما قال الله تعالى: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ[الأنعام:17]، وقال تعالى: وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ[يونس:107]، وكما قال تعالى: مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ[فاطر:2]، وكما قال تعالى: قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ المُتَوَكِّلُونَ[الزمر:38]، فلذلك هو ......




استمع المزيد من الشيخ محمد الحسن الددو الشنقيطي - عنوان الحلقة اسٌتمع
خطورة المتاجرة بكلمة الحق 4798 استماع
بشائر النصر 4284 استماع
أسئلة عامة [2] 4128 استماع
المسؤولية في الإسلام 4051 استماع
كيف نستقبل رمضان [1] 3991 استماع
نواقض الإيمان [2] 3943 استماع
اللغة العربية 3927 استماع
عداوة الشيطان 3927 استماع
المسابقة إلى الخيرات 3901 استماع
القضاء في الإسلام 3891 استماع