الآخر: يمكن أن يشار بذلك إلى أن الشتاء يتحيل فيه على الحر بموقيات البرد، والصيف لا يحوج إلى توقي برده، فحره أشد من الحر الذي يتوصل إليه في الشتاء بالحيل.
أما قولهم: العسل أحلى من الخل، (( فيحمل على أن قائله أطلق على العنب خلًا كما أطلق عليه خمرًا في قوله تعالى: {إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا} [1] ، ويحتمل أن يكون أحلى مَن حليَ بعيني بمعنى: حُسن منظره ) ) [2] .
وقد كان أبو حيان يحاول أن يجد صفة مشتركة بين المفضل والمفضل عليه ويخرج أفعل التفضيل عن بابه لغير ذلك كتفسيره لقوله تعالى: {فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ} [3] ، فقد قال: (( خير إن كانت للتفضيل، فقيل: المعنى: خير من العصيان والإصرار على الذنب، وقيل خير من ثمرة العصيان، وهو الهلاك وكلا هذين الوجهين ليس التفضيل فيها على بابه، إذ العصيان والهلاك غير المتناهي لا خير فيه، فيوصف خيره بأنه أزيد في الخير عليه ) ) [4] .
أي: إن أبا حيان يضعف هذا الرأي بكونها للتفضيل لأن الصفتين متضادتين بين الطاعة والعصيان، لذلك فهو يعطي الرأي الراجح عنده بقوله: (( ويحتمل ألا يكون للتفضيل بل أريد به خير من الخيور ) ) [5] .
كما أن أبا حيان يخرج لفظ' (خير) عن التفضيل في قوله تعالى: {ذلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ حُرُماتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ عِنْدَ رَبِّهِ} [6] ، فقد قال: (( والظاهر أن(خير) هنا ليس أفعل تفضيل )) [7] ؛ فالصفتان عنده متضادتين بين تعظيم الله الذي فيه الخير كله، وعدم تعظيم حرمات الله الذي فيه الشر كله، لذلك نجده يخرجها عن التفضيل.
(1) سورة يوسف، الآية: 36.
(2) شرح العمدة: 767.
(3) سورة البقرة، الآية: 54.
(4) البحر المحيط: 1/ 209.
(5) المصدر السابق.
(6) سورة الحج، الآية: 30.
(7) البحر المحيط: 2/ 339.