الثورة الفرنسوية - أو اشتعالها بشدة على الأقل - لو لم يصر الأشراف سنة 1788
على رفض مبدأ المساواة في الضرائب؛ أعني أيام الأزمة الزراعية المالية التي زادت بؤس
طبقات العمال، فقد نشأ عن حقد هذه الطبقات على الأشراف فتن لم تنته إلا بتداعي
أركان الماضي الطويل.
استوقف نظري فقدان الكتب في روح السياسة، فكنت أرجو أن أشغل هذا الفراغ، وبعد
عشر سنوات قضيتها في القيام بتجارب في الحكمة الطبيعية، ووضعت في أثنائها كتاب
«نشوء المادة» اضطررت إلى ترك تلك التجارب لغلائها فاستأنفت البحث في علم الاجتماع
فوددت أن أطبق المبادئ المشروحة في كثير من كتبي السابقة على السياسة، فطلبت
إلى صديقي الفاضل الأستاذ (ريبو) أن يدلني على ما نشر حديثًا من الرسائل في روح
السياسة، فقال لي إنه لم يؤلف شيء فيها، فاعتراني الدهش كما اعتراني منذ خمس
عشرة سنة، عندما عولت على درس روح الجماعات فلم أقف على أثر للبحث عنها في أحد
الكتب.
ولا تقل إنَّ كتب السياسة قليلة فقد ألُِّف منها منذ زمن أريسطوطاليس وأفلاطون
عدد غير يسير، وإنما كان واضعوها في الغالب من أرباب العلوم النظرية الذين لم يعرفوا
غير ما رأوه في منامهم من أشخاص وهمية، فمن العبث أن نطمع في العثور على شيء
من علم النفس وفن السياسة في كتبهم.
فقدان الكتب المدرسية في مثل هذا الموضوع وعدم تدريسه يثبتان لنا أن فائدته لا
تزال خافية على المطالعين، ومن الضروري أن نوضِّحها في كتاب يبحث في روح السياسة.
قلت آنفًا إن مقومات روح السياسة هي روح الأفراد وروح الجماعات وروح
الشعوب ودروس التاريخ، وكثير منها صار معروفًا، إلا أنها لم تكن البناء نفسه،
فالسياسة - بحسب ما توصلنا إليه من المعرفة في الوقت الحاضر - هي التوفيق بين
السير والحركة وبين مقتضيات الوقت معقولة كانت أم غير معقولة، وقد يقول العقل إن
تقاليد الشعب الإرثية ومعتقداته باطلة، ولكن السياسي الحقيقي لا يناهضها لعلمه أنه
لا طائل تحت ذلك، وهو في سيره على عكس أرباب العلوم النظرية الذين يعتقدون -
لجهلهم حقائق الأمور - أن العقل سيحكم العالم ويحول الرجال. نعم إن العقل يهيئ
بالتدريج العوامل التي تتحول بها نفوسنا، غير أن تأثيره المباشر ضعيف جدٍّا، والأمور
التي تتحول به بغتة قليلة إلى الغاية.
ومع أن فن السياسة لا يزال في دور الشك والتذبذب فإن قواعده تزداد كل يوم
وضوحًا، ولا تثبت قيمة هذه القواعد بصوغها بل ببيان ما ينشأ عن جهلها من النتائج
الوخيمة، وسيكون إيضاح ذلك من مقاصد هذا الكتاب.
والمبادئ التي اتخذناها دليلًا لنا تقتضي تفصيلًا لا يسعه صدر هذا السفر، فعلى
القارئ أن يطالعها في كتبي السابقة، وقد صرفت همي في هذا الكتاب إلى تطبيق قواعد
روح السياسة على حوادث العصر الحاضر وحدها، ومع قصر هذا الدور يجعلني اتساع
الموضوع، الذي طرقنا بابه أكتفي في الغالب بملاحظات وجيزة فيه، فدرس شأن روح
السياسة في تاريخ الأمم وفي تكوين معتقداتها وفي الحروب التي تتألف من مجموعها
لحمة ماضيها يقتضي تخصيص مجلدات كثيرة، ولما في مباحث روح السياسة من جفاف
قد يهول القارئ فيستنفد وقته سعيت جهدي في اجتناب الصيغ المدرسية، وفي إفراغ
المبادئ في قالب تستمرئه النفوس.
يثبت الفصل الذي خصصناه للبحث في عوامل الإقناع ما للتكرار من الشأن العظيم،
فاعتقادي فائدته يدفعني أحيانًا إلى تكرير الشيء الواحد بتعبيرات مختلفة، وإني لأسف
على كون ضيق المقام يمنعني من الإكثار منه، ولم يبالغ نابليون بقوله إن التكرار مظهر
البلاغة الأساسي؛ لأنه من أشد عوامل الإقناع تأثيرًا، وقد اطلع جميع أقطاب السياسة على
سلطانه القوي، فبه استطاع إمبراطور ألمانيا أن يقنع رعيته بضرورة الإنفاق على إنشاء
أسطول حربي عظيم.
وإذا كان التكرار ضروريٍّا لنشر الحقائق المعروفة، فلزومه لإذاعة الحقائق الحديثة
أشد وأكثر، وقد جربت ذلك بنفسي عدة مرات، ولم يقدر الرسل في غضون القرون