لروح السياسة مقومات مختلفة أهمها: روح الأفراد وروح الجماعات وروح الشعوب،
وهذه المعارف في نظر أساتذة مدارسنا شيء لا فائدة فيه، يدلك على ذلك عدم ذكرها
في برامجهم، ولا علم لمدرسة العلوم السياسية بوجودها. أوليس من العجيب أن ينال
الطالب فيها لقب دكتور من غير أن يسمع بمعارف هي أسس عالم السياسة الحقيقية؟
وتنحصر بضاعة رجال السياسة القصيري الباع في علم النفس في بضعة مبادئ
تقليدية لا تنفع لحل المشاكل الحديثة. وقد أصبحت اندفاعات الأحزاب المتقلبة دليلهم
فكثرت زلاتهم الفكرية، ومن هذه الزلات الخطرة فصل الكنيسة عن الدولة، ومنح
الإكليروس استقلالًا وسلطة لم يسمح بمثلهما أشد ملوكنا كثلكة، ومنها مبادئنا في
التربية المناقضة لمبادئ التربية الألمانية مع أن هذه المبادئ سر مبتكرات العلم والصناعة
والاقتصاد في ألمانيا، ومنها سياسة الإدغام والتمثيل التي نطبقها على مستعمراتنا،
فأوجبنا بها انحطاط هذه المستعمرات وتأخرها، وقرار الحكومة بإدخال الأشقياء في
سلك الجيش بعد أن كانوا لا يقبلون إلا في كتائب خاصة خوفًا من أن تسري عدواهم إلى
غيرهم، وإذعان الحكومة لأول اعتصاب قام به موظفو البريد، وسن كثير من القوانين
التي زعم أنها مشبعة من حب الإنسانية، والاعتقاد الوهمي القائل: إن المجتمعات تتجدد
بفعل المراسيم، وإن الأمة تتحرر من تأثير الماضي.
ولا ريب في أن العوامل المسيرة للأمة كثيرة التعقيد، ومنها العوامل الطبيعية
والعوامل الاقتصادية والعوامل التاريخية والعوامل السياسية ... إلخ، فهذه العوامل تُعيِّن
وجهة أفكارنا وانتحاء سيرنا في نهاية الأمر؛ أي أنها تتحول إلى عوامل فكرية من حيث
النتيجة.
وفي بعض الأحيان تشتد المشاكل بين الشعوب فلا يحلها غير المدفع، وحينئذ يكون الحق
في جانب الأقوى، وعلى هذه الصورة حسم الخلاف بين بروسيا والنمسا وبين الترنسفال
وإنكلترة وبين اليابان وروسيا، غير أنه يمكن فصل المشاكل الثانوية بأساليب نفسية
بدلًا من فصلها بالحديد والنار، ولا يزدري هذه الطريقة سوى الأقوياء الذين يفوقون
أعداءهم قدرةً فلا يرون - كنابليون وبسمارك - غير السيف حكمًا، وما على الأعداء
آنئذ إلا أن يلتزموا جانب الصمت حتى تدق ساعة الانتقام في وقتها المحتوم.
ولا نرى أحدًا يقدر الآن على اتخاذ تلك الوسائل القاطعة، فالمحالفات بين الشعوب
تحول دون استخدامها، وما من ملك تحدثه نفسه بعد الآن بأن يدعي أنه السيد الوحيد،
وقد علَّمت حوادث مراكش الشعوب ماذا يكون مصيرها إذا لم تتحالف لتدافع عن
نفسها.
إذًا تقع المذاكرة في أمور الحياة اليومية بين قوى متكافئة على وجه التقريب، ولعلم
النفس شأن كبير ولأقطاب السياسة تأثير عظيم في حل هذه الأمور، وهذا التأثير في الوقت
الحاضر أقل منه في الماضي، فالجمهور الذي يستقي معلوماته من البرقيات والتلفونات
والصحف يناقش في أدق الحوادث السياسية، بينما يتبادل رجال السياسة مذكراتهم
الغامضة ببطء وهذا ما يضطرهم إلى أن يجاروا الرأي العام، ويقتفوا أثره علنًا لا أن
يتقدموه كما في الدور السابق.
ولا يمنعنا ذلك من القول إنَّ شأن السياسة الذي استخف به على غير حق لا يزال
مهمٍّا، فلقد حل بفضل المداخلات السياسية معضلات كثيرة كمسألة ضرب البارجات
الروسية لمراكب الصيد الإنكليزية في أوائل الحرب الروسية اليابانية وكمشكلة الدار
البيضاء، وكالاختلاف بين روسيا والنمسا في شأن الصرب ... إلخ، ولو كان عندنا قبيل
حرب السبعين ساسة خبيرون بحقائق الأمور ولو قليلًا ما وقعت هذه الحرب في زمن
اختاره العدو، وتأخر حدوثها إلى يوم يكون لنا فيه حلفاء.
والوقوف على روح السياسة يعلِّم أولي الأمر كيف يحلون ما يعترضهم كل يوم
من المشكلات، فيميزون بين الأوقات التي يلبون فيها رغبات الشعب أو يقاومونها. ومما
يؤسف عليه أن هؤلاء الولاة يستصوبون تلك الرغبات أو يرفضونها حسب مزاجهم مع
أن الواجب يقضي عليهم بأن يقاوموها أو يذعنوا لها حسب الأحوال، ولا شيء أصعب من
معرفة ذلك في عالم السياسة، وقد يؤدي جهله إلى أسوأ النتائج، فلربما حيل دون نشوب