مشاغبين أغوتهم صيغ ومبادئ لا تلائم المنفعة العامة، وهل نجد من بين كل مئة ألف
ناخب واحدًا تمنى اشتراء سكك الغرب الحديدية مثلًا؟ قلما يبالي الناخب بالقوانين التي
هي وليدة المبادئ، وهو لا يهتم بغير منافعه المباشرة، وإذا انتخب فإنه ينتخب الأشخاص
دون أن يعبأ بمبادئهم وآرائهم.
ونذكر بين العوامل المؤثرة أيام الانتخابات النيابية الوعود ولفظ النظام والصيغ
السحرية كمناهضة رأس المال المرذول، وتأييد مبدأ نزع الملكية ... إلخ، فهذه المعبودات
التي تم صنعها في الأندية واللجان والنقابات والحانات من الأمور التي تلقي في النفوس
رعبًا لا يجرؤ معه على صدمها أحب الخطباء إلى الشعب.
بيد أن تلك الصيغ عبارة عن كلام فارغ لا قيمة له، فالرجل المطلع على روح
الجماعات، وإن كان يكررها أحيانًا لا يطبقها أبدًا، وهو يعلم أن الجموع تخضع لأحكام
منطق المشاعر الذي لا تأثير للمنطق العقلي فيه، وأنها - وإن هتفت لبروتس لقتله
(يوليوس قيصر) - لم تلبث أن أرادت إلحاق الأول بالثاني.
يعلم أكابر الزعماء كنه الروح الشعبية فيعرفون كيف يعالجون مفاجآتها، وهم على
عكس بسطاء الساسة الذين يصبحون حيارى في أثناء تقلباتها فلا يفعل منطقهم العقلي
اللاتيني والخوف ينخسه سوى حملهم على وضع قوانين عريقة في الوهم منذرة بالبؤس
مهددة صناعتنا وتجارتنا وثروتنا بالخراب.
وقد أوجبت السياسة التي أملاها شبح الخوف وضع لائحة في رواتب تقاعد العمال،
ومع علم كل نائب تعذر تطبيقها لتطلبه إنفاق ثمانمئة مليون كل سنة، اقترع مجلس
النواب وهو يرى مجلس الشيوخ سيصحح خطأه، قال (دولومبر) : «إن رواتب التقاعد
الإلزامية التي اقترع لها مجلس النواب عبارة عن انهيار مالية الدولة وقضاء على الصناعة
الوطنية.»
شبح الخوف رهيب إلى الغاية، ويشتد رهبة عندما ينضم إليه شبح الحقد وشبح
الحسد، وهذه الأشباح الثلاثة هي التي تدير سياستنا في الوقت الحاضر، ويتجلى تأثيرها
في لائحة ضريبة الدخل، والمضحك في وضع تلك اللائحة هو الزعم بأن الولوع بالإنصاف
وحب الغير هما اللذان أملياها، فكل يعلم أنه لم يتخلص من حكم تلك الضريبة أحد،
وإذا تخلص فباقتراف كثير من الظلم والإجحاف.
حقٍّا لم يكن لحب العدل شأن في فرض ضريبة الدخل، وإنما استعانوا بشبحي
الحقد والحسد على جعل الناس يعتقدون أن الذين سيدفعونها هم خمسمئة ألف شخص،
ثم جاء شبح الخوف فحمل أكثرية النواب الساحقة على الاقتراع لها.
غير أن الأشباح تخاف النور كما بينت آنفًا، فلم يلبث الجمهور أن أدرك مقدار
الحيف والفقر اللذين يلحقانه من جراء إطاعة أقلية اشتراكية متعصبة مشاغبة غاظها
إثراء عدد يسير من أرباب الصناعات، ولماذا يتمسك الحزب المتطرف بضريبة الدخل هذا
المقدار؟ وهل محبة البلاد والإنصاف والإنسانية هي التي توحي إليه ذلك؟ واأسفاه، إنه
يوعظ بمثل هذه المشاعر دون أن يكون لها مقام في قلوب الواعظين، وقد بين العالم
النفسي المدقق (إميل فاغيه) علة تلك الضريبة حيث قال:
تدل الأحوال على أن الذي يجعل بعض الأحزاب تتمسك بضريبة الدخل كثيرًا
هو أن تطبيق هذه الضريبة يستلزم شيئًا من القهر والاستبداد، فستكون
ضريبة الدخل آلة لخبط من لم يرغب فيه وحماية من يقع موقع الرضى.
ولم يكن لأحد البراهين تأثير في النواب الذين يتوعدهم شبح الخوف، فقد اقترعوا
لضريبة الدخل وهم يعلمون كما قال (جول روش»: (إن ما عرض عليهم كإصلاح
ديمقراطي ليس بالحقيقة سوى لائحة شديدة الاستبداد عظيمة الخطر منذرة بالخراب
والحرب الأهلية، لوضعها ثروة أبناء الوطن تحت رحمة جيش من الموظفين الذين هم
عمال حزب سياسي قابض على زمام السلطة «،وقال الموسيو (ريمون پوانكاره» : (في
تلك اللائحة خطر مخيف يهدد مالية الدولة، فسيؤدي إلى تبذير الدخل وظلم متوسطي
الحال، وينذر ثروة الأمة والنظام الجمهوري بالأفول والبلاد بفتنة هائلة. «
ولا شيء أصح منذ ذلك القول، ولكن ماذا يعمل النواب وقد هالهم وعيد الأشباح