نجاحهم الأول، فنسوا أن مثل ذلك النجاح لا يعاد، وأن الفشل بعد النصرلا يلأم صدعه
ولا يرقع وهيه، وخطيئة أعضاء نقابة اتحاد العمال الذين لم يقتصروا على تحريك
شبح الاعتصاب العام، فأعلنوه فعلًا فكشفوا الغطاء عن عجزهم، وكأنا بجميع أولئك
يطلبون بلسان الحال إلى المنجمين إطلاعهم على أن الأشباح القوية في الظلام البهيم
ينهزم سلطانها أمام جيش النور.
علَّمنا فشل اعتصاب موظفي البريد والاعتصاب العام الذي أمرت به نقابة اتحاد
العمال فائدة المقاومة، ودلتنا قصة ذلك الفشل المخزي على أن الأوهام تنمو وتزيد
عندما يشعر أصحابها بأنهم مرهوبو الجانب، وقد تحولت لهجة موظفي البريد في تلك
الأثناء تحولًا جالبًا للنظر حافلًا بالمعارف الفكرية التي يجب على أولي الأمر أن يفكروا
فيها كثيرًا، فقد كان للحكومة شيء من الاحترام عند أولئك الموظفين في بداءة الاعتصاب
الأول، ولكن لما خضعت الحكومة لهم فتوهموا بأنهم ذوو قدرة لا تقاوم تغيرت لهجتهم
فأصبحوا بغتة ثوريين غير وطنيين وانضموا إلى نقابة اتحاد العمال التي تعلن أن غايتها
تقويض دعائم المجتمع، والقارئ يستطيع أن يقدر ذلك من العبارة الآتية التي اقتطفناها
من حديث وقع مع أحد الوزراء، وهي:
لم يُلقِ موظفو البريد خطبًا ثورية في اجتماع عام كالتي ألخصها، أولم يدعُ
أحد هؤلاء الموظفين في أحد الاجتماعات العامة إلى» ضرورة العمل الشديد
المشترك ضد أرباب العمل، ورؤوس الأموال والسلطات العامة «؟ وهل تدرون
العهد الذي قرروه في الاجتماع المذكور؟» لقد تعاهد المجتمعون على نشر
المبادئ المنافية للتجنيد الإلزامي، وعلى هدم معاقل رؤوس الأموال وخضد
شوكة السلطات العامة.
ضعف الحكومات هو سبب زيادة الفوضى بين الجموع، فهل نستخرج في آخر الأمر عبرًا
من الدروس الصارمة التي كثر تكرارها؟ وهل تبدي الحكومة يومًا ما شيئًا من النشاط
والشدة ضد العصابات الصغيرة الغضبى التي سمح لها باسم حرية الفكر أن تنشر بين
أفراد الشعب مبادئ التخريب والحرق والعصيان، وتقويض أركان المجتمع؟
على أن زجر أولئك العصاة يصعب كل يوم، ومن العبث أن يحكموا بمختلف
العقوبات، إذ يصفح عنهم على الفور، ففي اليوم الثاني من انتهاء اعتصاب موظفي
البريد اقترح بعض النواب الخائفين صدور عفو شامل عن المردة، فاستطاعوا أن يحملوا
كثيرًا من النواب على الاقتراع معهم، وإني أتصور أن وجوه هؤلاء احمرت بعد ذلك حياءً
من جبنهم وصغر نفوسهم.
زعماء الوقت الحاضر كثيرو الخطر بما يسببونه من الحوادث والأفعال، وبما
يبذرونه في نفوس الشعب من المبادئ المؤدية إلى نشوب ثورات عندما تنضج هذه المبادئ،
ومن كان في ريب من ذلك فليتذكر دور (الكومون) الذي أوجب حرق قسم من العاصمة؛
ليرى ما تؤول إليه الجماعات عندما تحركها الخطب الخادعة، إذًا لننصح أولي الأمر
بالدفاع وإن كنا لا نأمل أن يعملوا بما تقتضيه هذه النصيحة لهيمنة شبح الخوف
عليهم هيمنة عظيمة.
والخوف ينمو في أدوار الفتن على الخصوص، فهو الذي يحول فيها أبناء الطبقات
الوسطى المسالمين إلى وحوش ضارية، وما الذي جعل (كاريه) يغرق من يشتبه فيهم
ويملي على (فوكيه تنفيل) تهمه وشبهاته غير الخوف؟ فسرعان ما أمعن (فوكيه تنفيل)
-المشتهر بحلمه في العهد السابق - في ذبح الناس عندما ألقى الخوف عليه جرانه،
وقد بلغت القسوة فيه مبلغًا دفعه إلى فصد ضحاياه لزيادة الرعب في قلوبهم قبل قصل
رقابهم.
لم نقطع البرزخ المؤدي إلى الثورة بعد، فلنرجُ على رغم وعيد بعض الاشتراكيين
عدم اجتيازه، ولنعلم أن الطريق التي يقود إليها شبح الخوف زلقة لا ترجع إلى حيث
تبتدئ.
واليوم يقتصر شبح الخوف الرهيب على جعل الحكومة تسن أكثر القوانين عقمًا
وأشدها ضررًا في مستقبل الصناعة، وليس عليه لقتل الصناعة سوى تحريض بضعة