أناس بأموالهم وعملهم الشخصي، فنزعُ أموال الأفراد لمخالفة مبادئهم الدينية مبادئ
أولياء الأمور عمل وحشي مُخِلٌّ بالأدب وقواعد الإنصاف.
وعلى أي أساس يقوم المجتمع بعد أن بلغ فيه ازدراء الحقوق هذا المبلغ؟ لذلك
يرجع المجتمع إلى عصور الهمجية حيث لا حق لغير القوي.
وقد أخذ بعض نواب اليسار يستنكرون الاضطهاد الديني الذي يعيدنا إلى القرون
الوسطى، فاسمع كيف يخاطب الموسيو (لابوري) - وهو أحدهم - مجلس النواب:
لا تعني السياسة اللاإكليروسية الحاضرة دفاعًا ضد تطاول رجال الإكليروس
كما يظن الناس، بل يراد ازدراء كل من له إيمان أو رأي فلسفي آخر؛ ولذا
أناهض أولئك المنافِقِين الذين يَوَدُّون القضاء على الأديان مع أنهم يحافظون
على طقوسهم الدينية الخاصة بهم، وليس على الدولة أن تسعى في إيجاد
وَحدة أدبية في الأمة أي دعوة الناس إلى زندقة رسمية لا يحترمها أولو الأمر
أنفسهم، فكفاها ما كابدته فرنسا أيام أراد لويس الرابع عشر أن يجمع الناس
على المذهب الكاثوليكي.
ولا ريب في أن الأجيال القادمة ستحكم على الاضطهاد الديني الذي يقع في الوقت
الحاضر - كنزع أموال الإكليروس والمحافل الدينية - بمثل الأحكام التي نحكم بها
على محكمة التفتيش، وإلغاء مرسوم نانت، فأولو الأمر يُبْدُونَ اليوم حججًا كالتي أبداها
لويس الرابع عشرلإلغاء ذلك المرسوم، وهي إيجاد وَحدة أدبية ووحدة سياسية في البلاد.
قد يحتج بسبب علمي ظاهري لا لتبرير نزع أموال المحافل الدينية بل لإيضاح العلة
في طردها، وهو أن المحافل الدينية لما كانت تعلِّم النشء تعاليم دينية مختلة صار من
الصواب أن يحل محلها أساتذة تخرجوا على الكتب المدرسية العلمية.
فأفكار مثل هذه جديرة بالفطريين الذين لا علم لهم بتطور علم النفس الحديث،
وقد أثبت هذا العلم أن المعتقدات بما توحيه من الأعمال لا بقيمتها العقلية.
إذًا لا يهم أن تكون المعتقدات مختلة أم صائبة، وإنما الذي يهم هو تحريضها
الناس على السير والحركة، ففي الولايات المتحدة يظهر من وقت إلى آخر دين جديد
خليق بالاحترام لحثه الناس على العمل، ومن هذه الأديان دين (المورمون) الذي أفاد
أميركا لتأديته إلى إقامة كثير من المدن الكبيرة الزاهرة في بقاع كانت بلقعًا.
أحرار الفكر الذين يحملون على المعتقدات لا يفقهون شيئًا من تأثير الديانات، فمع
أن الديانات لا تشتمل إلا على قليل من الحقيقة من الوجهة العقلية دلنا التاريخ على
أن أهم الحضارات قامت عليها، وأنها زينت حياة ملايين من الرجال بما لا تقدر على
فعله مذاهب الفلسفة من زهد وإخلاص وإنكار الذات ومحبة الغير، فالديانات عبارة
عن قوى يجب الانتفاع بها لا هدمها، ولا يجوز أن يضطهد رجال الدين إلا إذا أرادوا أن
يضطهدوا المعتقدات الأخرى.
الديانات - وهي التي تورث النفوس آمالًا كبيرة، وتدعم الضعفاء والمحرومين طيب
العيش - ملجأ البائسين في كل وقت، فلنعد الخياليين الذين أوجدوا الآلهة وعبادتها
من المحسنين إلى البشر، والعلم الذي عرفهم أخذ يعدل عن مقاتلتهم ويعترف بشأنهم
الكبير، فقد كانوا في الماضي عوامل في ثبات الأمم الخلقي، وهم وإن كانوا سيتحولون في
المستقبل لن يزولوا ما دام البشر يحتاج إلى الأمل.