الصفحة 72 من 454

ومن حيث أن وجوده لما هو فيه ليس وجوده لذاته ، بل لغيره . والموجود بذاته لا لذاته ، وإن كانت القسمة العقلية محتملة له ، فهو غير ممكن ، لاحتياجه إلى ما يحل فيه . وقد ينقسم الموجود أيضا إلى: ما هو بالذات ، وإلى ما هو بالعرض أما الموجود بالذات ، فكل ما له حصول في الأعيان مستقل: جوهرا كان ، أو عرضا . فإن وجود العرض ليس هو بعينه وجود محله ، إذ قد يوجد المحل بدون عرض بعينه ، ثم يوجد ذلك العرض فيه كجسم لم يكن أسود ، ثم صار أسود . وأما الموجود بالعرض فكالسدميات: كالسكون ، والعجز ، والاعتبارات التي لا تتحقق في الأعيان ، ويقال أنها موجودة في الأعيان بالعرض . ويقال للشيء: أنه موجود في الكتابة ، وموجود في اللفظ ، وهما مجازان ، من حيث أن الكتابة في الأغلب تدل على اللفظ ، واللفظ يدل على الوجود الذهني الدال على الوجود العيني . ومما يدل على الوجود الذهني ، بعد ما سبق من حال الشيئية والوجود ، أنا نتصور أشياء: إما ممتنعة الوجود ، كاجتماع الضدين ، أو غير موجودة في الأعيان ، كالقمر المنخسف دائما ، والإنسان الكاتب دائما ، وكجيل من الياقوت ، وبحر من زئبق ، ونميز بين هذه المتصورات ، وكل مميز ثابت ، وإذ ليس في الخارج فهو في الذهن . فإن ادعى فما لم يتحقق وجوده من الممكنات في العقل أن له وجودًا غائبا عنا ، فالممتنعات لا سبيل إلى دعوى ذلك فيها . واجتماع الضدين في الذهن ليس ممتنعا ، إنما الممتنع اجتماعهما في الخارج . فليس بين الحرارة الذهنية والبرودة الذهنية تضاد ، بل التضاد بين الحرارة والبرودة الخارجيتين ، وكذا أمثالهما . وحصول السخونة والبرودة مثلا ، لا يلزم منه أن يكون الذهن متسخنا متبردا ، فإنه غير قابل لذلك ولأمثاله ، بل المتسخن ما اتصف بالسخونة في الخارج . وسنبين لك في الكلام في الإدراك

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت