نفسه، فيكون اتباعه والاحتكام إليه واستنباط الأحكام منه وعده مصدرا أصليا إنما هو على سبيل المجاز لا الحقيقة، إذ إن إتباعه إنما هو اتباع للقرآن حقيقة، لأن القرآن هو الذي أمر باتباعه.
وعلى ذلك يكون القرآن هو المصدر الأصلي لهذه الشريعة، وما عداه من المصادر المتفق عليها والمختلف فيها إنما هي مصادر ثانوية، أو مصادر مجازية إن صح التعبير، لأنها في ثبوت حجيتها محتاجة للقرآن ومتوقفة عليه.
وإلى هذا المعنى أشار الغزالي في كتابه المستصفى حيث قال: (واعلم أنا إذا حققنا النظر بأن أصل الأحكام واحد وهو قول الله تعالى: إذ قول الرسول صلى الله علية وسلم ليس بحكم ولا ملزم، بل هو مخبر عن الله تعالى أنه حكم، كذا وكذا، فالحكم لله تعالى وحده، والإجماع يدل على السنة الشريفة، والسنة على حكم الله تعالى، وأما العقل فلا يدل على الأحكام الشرعية، بل يدل على نفي الأحكام عند انتفاء السمع، فتسمية العقل أصلا من أصول الأدلة تجوز على ما يأتي تحقيقه) [1] .
تعريف القرآن في اللغة اختلف فيه أهل العلم من جهات عدّة أوّلا من جهة كونه مهموزًا أو لا ومن جهة كونه مصدرًا أو صفة ومن جهة كونه جامدًا أو مشتقًا وقد تعدّدت الاراء حول هدا التعريف انطلقًا من الحيثيات الثلاث سابقة الدكر وها هنا تفصيل بعض هده الاراء.
الِّحياني والجوهري والراغب الأصفهاني وابن الأثير يرون بأنّه مهموز, وأنّه مصدر من قرأ قرأت قرآنا سُمِّي به المقروء من باب تسمية اسم المفعول بالمصدر يشهد لهم قوله تعالى {وقرآن الفجر إنّ قرآن الفجر كان مشهودا} [2] [فقد ذكر غير واحد من المفسرين أنّ المقصود بالقرآن ها هنا القراءة ومثله قول حسان في عثمان رضي الله عنهم أجمعين:
ضحَّوا بأَشْمَطَ عُنْوانُ السُّجود بهِ يُقَطِّعُ الليل تسبيحا وقُرآنًا (أي قراءةً)
بينما يرى الزجاج وأبو عبيدة ورواية عن قطرب وذكره الماوردي في تفسيره والراغب في مفرداته أنّه مهموز ولكنه وصف على وزن فُعْلان وليس مصدرا وهو عنده مشتق من القُرء بمعنى الجمع، قال أبو إسحاق القُرء في اللغة بمعنى الجمع.
(1) الغزالي, المستصفي, الطبعة الاولى المطبعةالاميرية ببولاق، مصر، ص 284
(2) سورة الأسراء، الآية، 87.