الصفحة 12 من 18

ولذلك كان من العسير جدا ردها إلى طريق الصواب دفعة واحدة، فقضت حكمة الله جل وعلا أن يربيها تربية تدريجية لئلا يشق عليها ويحمaلها من أمرها عسرا، فكان التنزيل القرآني منجما مؤمنا لهذه الغاية ومحققا لهذا الهدف من اليسر ودفع المشقة عن المؤمنين، فالخمرة حرمت على دفعات، وكذلك كل الواجبات كانت تأتي على دفعات أيضا، فالصلاة فرضت أولا، ثم الصوم، ثم الحج، وهكذا كانت تأتي الأوامر والفرائض كلها لتسهل على نفس المؤمن إساغتها والعمل بموجبها، والتدرب على القيام بها.

د- تأكيد معنى الإعجاز: الإعجاز كما تقدم في تعريفه بيان عجز الغير وضعفه عن المجاراة، وتنجيم القرآن الكريم تضمن تأكيدا لهذا المعنى، إذ لو نزل القرآن الكريم دفعة واحدة لاحتج العرب بأنهم لا يستطيعون مجاراة القرآن الكريم جملة واحدة، ولكنهم بإمكانهم أن يأتوا بجزء منه بعد جزء، فكان مجيء القرآن الكريم منجما ردا لهذه الدعوى، بأن القرآن الكريم قد أنزل أجزاء وهو يتحداهم بكل جزء من أجزائه لا بكله فقط. وفي هذا منتهى التحدي المعجز، ثم إلى جانب ذلك فإن في انسجام آيات القرآن الكريم وتناسقها مع تنجيمها زيادة إعجاز، لأنها لو نزلت دفعة واحدة، فإن كان تناسقها مع نزولها دفعة واحدة معجزا فهو مع تنجيمها معجز من باب أولى، لأن إمكان التخلخل مع التنجيم أكثر بكثير من إمكانه مع النزول دفعة واحدة، يعرف هذا كل من عانى الكتابة والتأليف.

هـ- تثبيت معاني الأحكام وتوضيح مراميها، لأن أسباب النزول تلقي ضوءا كاشفا على طبيعة الحكم الشرعي وحدوده، ولا زال العلماء يلجؤون دائما في تفسيرهم لآيات الله إلى أسباب نزول هذه الآيات، للكشف عن الوقائع والأحداث التي أنزلت الآية والآيات بسببها، ولو أنزل القرآن الكريم دفعة واحدة لفقدنا هذا العنصر المهم في بيان أهداف الآيات ومراميها.

هذا إلى جانب أسباب كثيرة لهذا التنجيم مفصلة في كتب علوم القرآن.

القرآن دستور الأمة الإسلامية والمصدر الأول للتشريع فيها، ولذلك نراه يبحث في كل الأمور، ويجمع شتات كل الأحكام، ويوفق بين كل الحقوق والواجبات، ولا يترك شاردة ولا واردة من أمور الدين أو الدنيا إلا وينظمها بنصوص

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت