وقد أوضح الله تعالى الغاية من تنزيل القرآن الكريم منجمًا جوابًا على سؤال الكفار واعتراضهم على هذه الطريقة، فقال تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا) [1] ،فالغاية من التنجيم إذا هي أمران، هما: تثبيت فؤاد النبي صلى الله عليه وسلم وترتيل القرآن الكريم، ويمكن لنا أن نلاحظ بعض الأمور الأخرى بعد هذين الأمرين، أهمها: التدرج بالأمة في التربية والإعداد، ثم تأكيد معنى الإعجاز وإظهار التحدي فيه بأجلى مظاهره، وأخيرا الزيادة في توضيح معاني القرآن الكريم وبيان مراميها.
ولذلك فإننا سنبحث في هذه الأمور الخمسة بإيجاز، بما يلقى الضوء على كنهها وحقيقتها:
أ تثبيت قلب النبي صلى الله عليه وسلم لأن القرآن الكريم كان مربيا للنبي صلى الله عليه وسلم ومثبتا له في مقابلة ما كان يراه من قومه من مشاق وأذى بالغ، فكان تتابع القرآن الكريم عليه وصلة الوحي به طيلة مدة بعثته مثبتا لعزمه وشاحذا لهمته على متابعة الطريق في حمل الرسالة إلى آخر مدى بدليل أن الوحي كان ينقطع عن النبي صلى الله عليه وسلم في بعض الأحيان لمدة قصيرة، فكان يجد من ذلك ضيقا بالغا، فكيف به إذا انقطع عنه سنين طويلة.
ب - ترتيل القرآن الكريم: المراد به حفظه وجمعه في الصدور لفظا ومعنى، فالعرب أمة أمية، والرسول صلى الله عليه وسلم منهم، لا يعلم القراءة والكتابة، ولو أنزل القرآن الكريم جملة واحدة لشق على النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه حفظه مرة واحدة، ولذلك كان في تفريقه حكمة بالغة لسهولة جمعه في صدورهم على هذه الطريقة، وبذلك تحقق للقرآن الكريم النقل المتواتر إلينا عن طريق هذا الحفظ، ويشير إلى هذا ترديد النبي صلى الله عليه وسلم له طيلة يومه خشية نسيانه، مما أوقع النبي صلى الله عليه وسلم في حرج بالغ ومشقة زائدة، حتى نزل قوله تعالى: (لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ) [2] ، وقوله تعالى: (سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى) [3] ، عندها اطمأن قلب النبي صلى الله عليه وسلم وهدأ روعه.
ج- التدرج في التربية والإعداد للأمة الإسلامية: فتنظم به أمورها، وقد أنزل القرآن الكريم في أمة ابتعدت عن جادة الصواب كثيرا في معتقداتها وعاداتها وتشريعاتها،
(1) سورة الفرقان، الآية 32.
(2) سورة القيامة، الآية 16، 17.
(3) سورة الأعلى، الآية 6.