إن هذا الخفض يكون من الرحمة المتناهية المستكنة في النفس، لا بأن يكون ذلك استعمالًا، فإنهما قد وصلا من العمر غاية في الضعف والشيخوخة، فلا يناسب معهما إلا غاية الشفقة والذل والاستكانة والتواضع، فكما أنت أيها الابن كنت طفلًا صغيرًا تتأذى من أتفه الأشياء والأسباب والأصوات والحركات، فكذلك هما الآن يلحقهما أذى من أتفه الأشياء.
فإذا أنعم الله عليك أيها الولد بالإسلام، فإن الاختلاف في العقيدة والأمر بعدم طاعتهما في العقيدة لا يسقط حقهما في المعاملة الطيبة والصحبة الكريمة، فليس من حق الولد ولا من اختصاصه بل ولا فيما شرعه الله عليه في أن يقسو على والديه لأجل العقيدة، بل وليس من العدل أن يكون الولد في غاية من الغنى والراحة، والأبوان في تعاسة وشقاء، فإن الكفر لا يسقط حق الوالدين بحال من الأحوال.
رابعًا: طاعتهما في غير معصية الله:
إن الوالدين هم أقرب الأقرباء، وأوفى الأوفياء، وأعز الأصفياء، وإن لهما لفضلًا وإن لهما لرحما، وإن لهما لواجبًا مفروضًا، واجب الحب والكرامة والاحترام والكفالة والإحسان والرعاية، ولكن مع هذا كله ليس لهما من طاعة في حق الله شيء، فلا يمكن أن يطغى حق الوالدين على حق الله بأي حال من الأحوال، قال تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [1] ، وقال تعالى: وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ
(1) سورة العنكبوت، الآية: 8.