وسلم: «إن الله أوحى إليّ أن تواضعوا ... » [1] . ويعني ذلك التعبير الصادق لأحاسيس الإنسان اللطيفة وعما يكنه القلب من المودة والاحترام وما يحمله من تبجيل وتوقير، والوالدان أحق الناس بمثل هذه المشاعر الطيبة والسمات النبيلة.
وقد صوره بعض العلماء في صورة تذلل الرعية للأمير والعبيد للسادة، وكقول العبد المذنب للسيد الفظ الغليظ، فينبغي للابن بحكم هذه الآية أن يجعل نفسه مع الوالدين في خير ذلة في أقواله وسكناته ونظراته.
وفي هذا يقول سيد قطب: (وهنا يشف التعبير ويلطف، ويبلغ شغاف القلب وحنايا الوجدان. فهي الرحمة ترق وتلطف حتى لكأنها الذل الذي لايرفع عينا، ولايرفض أمرا. وكأنما للذل جناحي خفضه إيذانا بالسلام والاستسلام) [2] .
وقال تعالى: {وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا} [3] .
قال أبو السعود: (هذا عبارة عن إلانة الجانب، مبالغة في التواضع والتذلل لهما، فإن إعزازهما لا يكون إلا بذلك، فكأنه قيل: واخفض لهما جناحك الذليل .. تشبيهًا له بطائر يخفض جناحه لأفراخه، تربية لها، وشفقة عليها.
(من الرحمة) من فرط رحمتك وعطفك عليهما، ورقتك لهما، لافتقارهما اليوم إلى من كان أفقر خلق الله تعالى إليهما بالأمس، ولا تكتف برحمتك الفانية، بل ادع الله لهما برحمته الواسعة الباقية ) [4] .
(1) صحيح مسلم، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، ر (4/ 2198 رقم الحديث: 2865) .
(2) قطب، مرجع سابق، (4/ 2221) .
(3) سورة الإسراء، الآية: 24.
(4) أبوالسعود، محمد بن محمد بن مصطفى، تفسير أبي السعود، (لبنان: بيروت، دارإحياء التراث العربي) (5/ 166 - 167) .