يقول محمد الطاهر بن عاشور: (وافتتحت هذه الأحكام والوصايا بفعل القضاء اهتمامًا به، وأنه مما أمر الله به أمرًا جازمًا وحكمًا لازمًا، وليس هو بمعنى التقدير، كقوله: {وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ ... } [1] ، لظهور أن المذكورات هنا مما يقع ولا يقع، و(أن) يجوز أن تكون تفسيريه لما في (قضى) من معنى القول، ويجوز أن تكون مصدرية مجرورة بباء جر مقدرة، أي قضى بأن لا تعبدوا.
وابتدئ هذا التشريع بذكر أصل الشريعة كلها، وهو توحيد الله، فذلك تمهيد لما سيذكر بعده من الأحكام.
وجيء بخطاب الجماعة في قوله: {أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ} لأن النهي يتعلق بجميع الناس، وهو تعريض بالمشركين.
وابتدئ التشريع بالنهي عن عبادة غير الله، لأن ذلك هو أصل الإصلاح، لأن إصلاح التفكير مقدم على إصلاح العمل، إذ لا يشاق العقل إلى طلب الصالحات إلا إذا كان صالحًا، وفي الحديث: «ألا وإن في الجسد مضغة، إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب» [2] [3] .
(1) سورة الإسراء، الآية: 4.
(2) ، صحيح البخاري، كتاب الإيمان (1/ 20 رقم الحديث: 52) ، مسلم، صحيح مسلم، تحقيق: محمد فؤاد عبدالباقي، (لبنان: بيروت، دار إحياء التراث العربي) ، كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات (3/ 1219 رقم الحديث: 1599) .
(3) ابن عاشور، التحرير والتنوير، (تونس، الدار التونسية للنشر، 1984 هـ) (15/ 66 - 67) .