يقول الشيخ أبو زهرة: أما الذهب فلم يرد نص صريح عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فيه، ولكن الصحابة جعلوا في كل عشرين دينارا من الذهب نصف دينار، والتحقيق التاريخي يؤدي بنا إلى أن قيمة مائتي درهم كانت تساوي عشرين دينارا عن الذهب وإلا ما جعلها الصحابة نصاب الزكاة، ولا يمكن تقديرهم بالعشرين اعتباطا من غير سبب موجب له.
وإذا كانت عشرون دينارا هي نصاب الزكاة بتقدير الصحابة المبني على تقدير النبي -صلى الله عليه وسلم- في الدراهم، فإنه يسوغ أن نعتبر العشرين دينارا هي التقويم الدائم في كل العصور، ذلك لأن الفضة نقد معاون، وهي سلعة يجري عليها الرخص والغلاء، أما الذهب فهو العملة العالمية التي لا تتغير وبها تقاس قيم الأشياء، ومنها الفضة، ولذلك لا نعتبر مقياسا سواه، وليس ذلك تركا لتقدير النبي -صلى الله عليه وسلم- أو إهماله إنما هو إعمال لتقدير النبي -صلى الله عليه وسلم- في أوسع مدى ذلك أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قدر النصاب بمائتي درهم على أساس قيمتها في عصره -صلى الله عليه وسلم- وقد بين الصحابة رضوان الله عليهم هذه القيمة بعشرين دينارا أو مثقالا من الذهب فتجعل هذه القيمة أساس التقدير في كل العصور وبذلك يتوحد النصاب في كل الأقطار الإسلامية [1] .
وقد تبع كثير من الباحثين الشيخ أبا زهرة في راية ومن وافقه [2] .
وهذا الاتجاه يلاحظ عليه عدة مآخذ:
1 -أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- حدد نصاب الفضة بالوزن تحديدًا صريحا كما حدد نصاب الذهب أيضًا، لكن التحديد في الفضة أشهر، وعلى ذلك يعتبر كل منهما أصلًا يمكن الارتكاز عليه في التقويم سواء لعروض التجارة أو للورق النقدي مقتصر التقويم على أحدهما دون دليل صريح بحكم [3] .
2 -أن الصحابة -رضوان الله عليهم- إذا اعتبرنا أنهم قدروا نصاب الذهب، فإنه يلزم من ذلك أن نعول على نصاب الفضة إذ غيره مقدر به، ولا أحسب أن انخفاض السعر في الفضة وارتفاعه في الذهب يبرر لنا العكس.
3 -إذا كان تقدير الذهب لم يكن فيه نص من النبي -صلى الله عليه وسلم- بل هو فعل الصحابة، فإن ذلك قد يسوغ القول لمن يقول إن هذا التقدير ينبغي إعادة النظر فيه، إذا غلا الذهب
(1) محاضرات في المجتمع الإسلامي - الشيخ أبو زهرة ص 92، معهد الدراسات الإسلامية -مطبعة يوسف- وهو رأي من كتب في موضوع الزكاة في الحلقة المقدمة للدراسات الاجتماعية فقه الزكاة - يوسف القرضاوي 1/ 264.
(2) نظرية الإسلام الاقتصادية - عبد السميع المصري ص 131، اقتصاديات النقود في إطار الفكر الإسلامي د. أبو بكر متولي وزميله ص 150، 151، فقه الزكاة 1/ 642، الخراج - ضياء الدين الريس ص 369، 370، 371، النظام المالي الإسلامي. د. عبد الخالق النواوي.
(3) رسالة الموازيين والمكاييل -محمد نجم الدين الكردي- رسالة ماجستير-جامعة الأزهر سنة 1401 هـ-رقم 530.