ما دام هذا هو قوله، فلم يلف ويدور بعد ذلك لإخضاع هذه التعقيدات والاستشكالات للشرح ومحاولة إدخالها - غصبًا - في عقول الذين يريدون تنصيرهم، إن الفكر الوثني لم يكن في يوم من الأيام مقبولًا عقلًا وفهمًا ومنطقًا، ولم ينتشر، ولم يستمر، في بلد، أو في فترة، إلا بعوامل من القوة الطاغية لمجتمع أو سيادة أو سيطرة، وما حاج منطق عاقل منطقًا وثنيًا إلا فاق عليه في حجته، وقصة سيدنا إبراهيم عليه السلام ذات دلاله قوية في هذا الصدد {فبهت الذي كفر} [البقرة:258] ، لأنه لم يجد أي رد منطقي أمام الدلالات العقلانية الموضوعية. وكفار قريش لم يكن جوابهم إلا قولهم: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ} [الزخرف: 22] .
وإن نقاط الضعف في النصرانية كثيرة جدًا، ولكن أبرزها أمور ثلاثة:
1 -كيف يمكن للعقل السليم أن يفهم الأقانيم ثلاثة، واحد في الثلاثة وثلاثة في واحد؟؟!!.
2 -كيف يكون الابن إلهًا وكيف يكون الإله ابنًا؟
3 -كيف يقدم الأب على قتل ابنه الذي يحبه؟.
ولن تستطيع كل النقاشات والمحاورات النصرانية المعقدة أن تزيل هذا الغبش لتجلي الصورة وتضعها قريبة من الأفهام {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ} [المائدة: 73] .
إن الإسلام قد تخطاهم كثيرًا وسبقهم إلى العقل الإنساني عندما رد الأمور إلى نصابها: إله في السماء، وعباد في الأرض، ولا اختلاط ولا امتزاج، إنه إله واحد، {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا} [الأنبياء: 22] ، وإن عيسى آية من آيات الله خلقه من أم بدون أب، ومثله كمثل آدم خلقه من تراب من غير أم ولا أب، وإن الله العظيم القادر على أن يجعل النار بردًا وسلامًا، وأن يجعل العصا الخشبية حية تسعى تلقف ما يأفكون، لقادر على أن يخلق عيسى بنفخة منه {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا} [التحريم: 12] .
إن الله مسبب الأسباب وهو القادر على أن يسلب الأشياء خواصها، ويستبدلها بخواص أخرى، كيلا يسدر الإنسان في إلفه للأشياء فيظن بأن هذه الأسباب مرتبطة بتلك المسببات ارتباطًا لا انفكاك منه ولا انفصام وبالتالي ينسى الإله الذي تقف قدرته خلف هذه الظواهر كلها تحركها وتسيرها فيكون هذا التغيير بمنزلة التنبيه والتذكير والتصحيح.
خامسًا: نورد فيما يلي مقطعًا مطولًا من محاضرة بروس. ج. نيكولس عن (منطلقات لاهوتية جديدة في عملية تنصير المسلمين) إذ يتحدث عن الإسلام من حيث كونه دينًا فيقول في الصفحة 223 - 224 ما يلي:
(إن الإسلام هو أكثر من عقيدة دينية، إنه نظام متكامل للحياة والدين، فالإسلام دمج كل