وعادوا إلى ديارهم بعد ذلك وهم يحملون بين صدروهم إعجابًا وتقديرًا لهؤلاء المسلمين ولدينهم الذي هو عصمة أمرهم، عادوا وهم يتشبهون بهم في طرائقهم المعاشية وحياتهم وتقاليدهم وكثير من جوانب معارفهم.
إن سلوك النصارى لم يعط النصرانية حقها وهذا أمر لا شك فيه، إذ إن النصارى الصليبيين الذين قدموا إلى ديار المسلمين، صحيح أنهم قد قدموا وهم يحملون راية الصليب ولتحرير الديار المقدسة من سيطرة المسلمين كما يزعمون، لكنهم في الحقيقة لم يأتوا إلا تحقيقًا لجشع مادي وكسب اقتصادي، جاء معظمهم كالوحوش قتلًا وسفكًا وإراقة دماء ولصوصية، جاء كثير منهم باحثًا عن عرشه المفقود وجاهه المسلوب، إنهم كانوا حقًا في ظلام العصور الوسطى وقدموا بجيوشهم الجرارة إلى بلاد المعرفة والنور.
إن المسلمين عندما كانوا يفتحون بلدًا كانوا يفتحونها لإعمارها، ونشر الأمن فيها، ومساعدة أهلها ليعيشوا حياة عزيزة كريمة، وهذا ما جعل أمم الشعوب المغلوبة تقبل عليهم وتتلقى عنهم دينهم الذي جاءوا به ذلك الذي يكمن خلف هذه المثاليات التي حملوها إلى هذه الشعوب.
وكلام شارلي تيبر يبدو منصفًا عندما نتأكد بأن هؤلاء الصليبيين لم يستطيعوا أن ينقلوا إلى الشعوب المسلمة المغلوبة دينهم ونصرانيتهم، إذ كيف يتقبل المسلم دين هذا النصراني الغازي الذي لا يقيم وزنًا لدين ولا يعرف معنى لفضيلة، بل على العكس من ذلك فإن سلوك النصارى قد أوجد ردة فعل قوية لدى المسلمين تجاه النصارى أولًا وتجاه النصرانية آخرًا.
ثالثًا: ويقول في الصفحة 211 كذلك:
(إذا عدنا إلى الطالب المصري الذي سبق ذكره أعلاه نرى أن واقعه التاريخي يشتمل على فخر عظيم بالآثار المصرية وبإنجازات إسلامية في الفترة التي كان فيها أجدادنا برابرة يعيشون في الأدغال في شمال أوروبا) .
إنها شهادات تتلو شهادات، إنه يضرب مثلًا بطالب مصري مسلم عاش فترة في بيئة نصرانية وأنه على الرغم من التأثير النصراني عليه لم يتخل تمامًا عن كل ما يربطه بصلة إلى الإسلام والمسلمين، حتى ولو كان الأمر إعجابًا، ومن المستحيل محو جميع علائقه بمن بنوا حضارة في الوقت الذي كان فيه الغربيون يخبطون في تيه العصور الوسطى وظلامها.
رابعًا: إن بروس. ج. نيكولس في موضوعه (منطلقات لاهوتية جديدة في عملية تنصير المسلمين) يذكر في الصفحة 228 ما يلي:
(إن كل مقاييس الطبيعة غير مناسبة كلية لتعريف مفهوم المحبة الإلهية على الطريقة النصرانية التي تجعل من الإنسان إلهًا وابنًا للإله في آن واحد) .