في مصاف الأديان والمعتقدات المندثرة، ولكن الله الذي أنزل الذكر تكفل بحفظه وابتلانا وامتحننا بالعمل الدؤوب لنشره وتبليغه عسى أن ننجح في ذلك كما نجح أسلافنا من قبل.
إن المتأمل اليوم ليتعجب من أمر هذا الدين الذي طبق الآفاق والذي يعتنقه كل يوم خلق كثير، وتدافع عنه شعوب وأمم تسكن أقصى الأرض، إن المرء ليتعجب إذ كيف يتم ذلك مقارنة بالجهود البسيطة التي يبذلها المسلمون لنشر دينهم، إن ميزانية باخرة واحدة للتنصير راسية قريبًا من أحد شواطئ بلاد المسلمين ليعدل ميزانية رابطة العالم الإسلامي عدة مرات هذه باخرة فما بالك بالطائرات والمطارات والإذاعات والمبشرين الذين يكلفون التنصير باهظ التكاليف في شتى بقاع الأرض.
ينبغي أن لا يخفى على الأذهان أنه يجب علينا أن لا نغرق في بحر من الخدر اللذيذ ونتراخى ونقول إن دين الله ماضي على الرغم من تقاعسنا وكسلنا، وإن المسلمين إذا استمروا في غفلتهم هذه فإن الله سيستبدل بهم قومًا آخرين يحبهم ويحبونه، يمضون في نشر دينه، إن دين الله يحتاج إلى وسائل بشرية مادية لنشره، ذلك لأن عهد النبوة والأنبياء قد انتهى وعهد المعجزات قد انقضى (إلا أن يشاء الله) وقد امتحن المسلمون بمهمة نشر الإسلام والدعوة إليه وحمله إلى العالمين.
إنهم يستلمون حوالي (600) رسالة فقط في كل شهر، وهم يستغلون هذا الرقم ويريدون أرقامًا أعلى. صحيح أن هذا الرقم قليل في نظرهم، لكن الذي نراه - نحن المسلمين - بأن تنصر مسلم واحد فقط إنما هو أمر كبير وكبير جدًا عند الله، وأننا لحريصون على أن لا يستجيب لهم حتى ولا طفل واحد، لأن ردة مسلم واحد عن دينه وتنصره ليحز في نفوسنا ويقرع ضمائرنا، ويصمنا بعدم الوفاء لإخواننا، وإن أبا بكر رضي الله عنه قرر أن يقاتل المرتدين على (عقال) كانوا يؤدونه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكيف لا نقف أمام زحفهم ونحن نشاهد أبناء جلدتنا يدخل بعضهم يومًا بعد يوم في ردةٍ عجيبة منظمة مغرية، كيف لا نتأثر، وكيف لا نتحرك؟.
تاسعًا: ومن العقبات والهموم التي تؤرقهم أنهم محتارون في الوصول إلى فهم يحدد لهم سبب امتناع المسلمين عن قبول دينهم، وعلى الرغم من أنهم قد استطاعوا أن يقنعوا اليهود في قبولهم وقبول دينهم بعد أن قاوموا إغراءهم مدة طويلة، إن بعض اليهود قد سقطت مقاومتهم وتهاوت وقبلوا أن يكونوا (يهود مكتملين) [1] أي أنهم قد أكملوا دينهم اليهودي بالدين النصراني وقبلوا المسيح مخلصًا وربًا لهم، لكن المسلمين لم تسقط مقاومتهم على غرار ما فعله اليهود، هنا يكمن العجب والتساؤل المحير، فقد
(1) إن اليهود أخبث من أن يقبلوا النصرانية إكمالًا لدينهم، ولكن قبولهم الظاهري للدين النصراني إنما يتم ضمن خطة لتخريب النصرانية من داخلها كما فعلوا في الماضي حينما قبل بعضهم الإسلام ظاهريًا من أمثال عبدالله بن سبأ، ومن مثل يهود الدونمة في سالونيك، وإن أثرهم في تهديم الخلافة العثمانية فيما بعد عن طريق حزب الاتحاد والترقي واضح بارز، هذا شأنهم بشكل عام إلا من رحم ربي، وهم قليل.